وكماله بحسب القوّة الأولى هو العلم بحقايق الأشياء ، وكمالها بحسب الثانية هو التوسّط بين الإفراط والتّفريط « 43 » حتى تصير النّفس كالخالى عنهما ، فإنّ الوسط هو غاية البعد عن الأطراف فيناسب النّفس حينئذ المبادى الخالية عنها بالفعل والتوسّط في الشهويّة هو العفّة وفي الغضبيّة الشّجاعة .
فانحصر أصول الفضائل في العلم والعفّة والشّجاعة وبتركّبها « 44 » تحصل العدالة . والصّبر هو ملكة حبس النّفس عن الشّهوات وعلى المكروهات على مقتضى الرأي الصّحيح فهو من حيث كونه مبدأ حبس النّفس عن الشّهوات يوجب ملكة العفّة ومن حيث كونها مبدأ حبسها على المكروهات يوجب ملكة الشّجاعة .
فإذا حصل العلم والصّبر ينتج منهما سائر الفضائل فالعلم بمنزلة الأب لها لكونه مبدأ الكلّ والصّبر بمنزلة الأمّ لانطوائه على سائرها بالقوّة القريبة .
واعلم أنّهم حصروا أصول الفضائل في الحكمة والعفّة والشّجاعة وجعلوا كلّا منها توسّطا بين طرفي الإفراط والتّفريط فالحكمة التوسّط بين الجربزة والبلاهة [ 1 ] والعفّة بين الفجور والخمود « 45 » والشّجاعة بين الجبن والتهوّر .
واستشكل بأنّ الحكمة إن فسّر « 46 » بخروج النّفس الإنسانيّة إلى كمالها الممكن في جانبي العلم والعمل فهو مقسم جميع الفضائل فكيف يصحّ جعله قسما من العملي الّذي هو قسم منه . وإن فسّر « 47 » الحكمة بمعرفة أحوال الموجودات بقدر الطّاقة البشريّة فلا يصحّ الحكم بأنّه توسّط بين طرفي إفراط وتفريط بل الإفراط كلّما كان أكثر كان أكمل . « 48 »
فأجابوا عنه تارة بأنّ هذه الحكمة الّتي جعلت قسما غير الّتي هي المقسم وإطلاق الحكمة عليهما باشتراك اللّفظ فإنّ ما جل قسما هو التوسّط في إعمال الرويّة في مصالح المعاش وتفسيره بالتوسّط بين البلاهة والجربزة يفيد ذلك إذ الجربزة لا يكون إلّا في العقل العملي المعيشى .
وأنت خبير بأنّه حينئذ لا ينحصر الفضائل في الثّلاثة لخروج المعرفة بحقائق الموجودات
هامش
( 43 ) . بين طرفي الإفراط والتفريط . ط
( 44 ) . وبتركيبها . ط
( 45 ) . والجمود . ط
( 46 ) . فسّرت ط . م
( 47 ) . فسّرت ط . م
( 48 ) . بل لا إفراط فيه فإنّه كلّما كان أكثر كان أكمل . ط - بل الإفراط فيه كلّما كان أكثر كان أكمل . س . م
( 1 ) البلاهة - ضعف العقل وعجز الرأي .