أقول : وأنت خبير [ 1 ] بأنّ أمثال هذه الأدلّة لا تفيد اليقين إلّا لأهل الحدس الصائب ، بل جلّ مطالب الحكمة « 136 » لا يظهر إلّا بالحدس وهذا الرّوح للطافتها وشفافتها وقربها من الاعتدال يشبه الأجرام السّماوية الخالية عن الأضداد ولذلك يفيض عليها النّفس النّاطقة لمناسبتها للمبدإ الخالي عنها ومن هاهنا يتفطّن اللّبيب للنّفوس النّاطقة السّماويّة فاعرف ذلك .
[ ولولا لطفه لما سرى في ما سرى « 137 » ] ( 1 ) من المجارى الضيّقة كمسام الأعصاب والعظام والعروق الشعرية المنبثّة في اللحم واستدلّوا على وجود الرّوح وأنّه العامل لتلك القوى بأنّه .
[ إذا وقعت سدّة يمنعه عن النفوذ إلى العضو يموت ذلك العضو ] ( 2 ) ويعرض له ما يعرض للميّت من التعفّن والفساد .
[ وهو مطيّة تصرّفات النّفس النّاطقة ] ( 3 ) إذ هو متعلّقها الأولى « 138 » كما مرّ وبوساطتها سرى فيض الحياة وتوابعها منها إلى أجزاء البدن .
[ ويتصرّف النّفس في البدن ما دام ( 4 ) هو على الاعتدال ] المناسب لتلك النّفس .
[ وإذا انقطع ] ( 5 ) الرّوح المعتدل بالاعتدال « 139 » الخاصّ .
[ انقطع تصرّفها في البدن ] ( 6 ) وهو الموت .
[ وهذا الرّوح الحيواني ] ( 7 ) سمّى به لكونه واسطة في وصول فيض الحياة إلى البدن من النّفس الحىّ بذاتها أو لاشتراك الحيوانات فيه .
[ غير الرّوح الإلهى ] ( 8 ) المجرّد عن المادّة .
[ الّذي يأتي في كلام النبوّات ] ( 9 ) كقول سيّدنا ونبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم : خلق اللّه الأرواح قبل الأجسام بألفي عام .
[ والوحي الإلهى ] ( 10 ) كقوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
- الاسراء / 17
هامش
( 136 ) . المطالب الحكمية . ح
( 137 ) . يسرى . ط
( 138 ) . الأوّل . م
( 139 ) . عنه بالاعتدال . ط .
( 1 ) قوله : وأنت خبير . أشير بذلك إلى أنّ لقائل أن يقول إنّ مزاج الروح مختلف حسب اختلاف الأعضاء فكما جوزتم أن يكون الروح في القلب الّذي هو المنبع عندكم في غاية الحرارة ثم يصير القسط الوارد منه على الدماغ باردا جدّا فلم لا يجوز أن يكون منبعه الدماغ ويكون الروح الّذي في المنبع في غاية البرودة ثم يصير القسط الوارد منه إلى القلب حارّا جدّا لكن الحدس الصائب يحكم بانتفاء الاحتمال المذكور لأنّ الروح مبدأ الحياة وهي إنّما تحصل بالحرارة فذلك الروح في منبعه يجب أن يكون أقوى فيكون في غاية الحرارة فتدبر . منه