أقول : ظاهر أنّ الحاكم هو النّفس فإنّي أعلم أنّى المدرك المصدق لقيام « 77 » زيد كما أنّى أعلم أنّى المدرك لزيد ، كيف لا ؟ وهم جعلوا المدرك نفسا والحواسّ كلّها آلة اعتمادا على ما ذكرنا فمراد الشيخ من كون تلك القوى حاكمة كونها « 78 » آلة للحكم كما يطلق عليها المدرك بهذا المعنى .
فان قلت : فلا يكون للحيوانات العجم الحكم ومعلوم أنّ الأفعال « 79 » الاختياريّة مسبوقة بالتصديق بترتّب الغاية .
قلت « 80 » تلك الحيوانات ليس لها الحكم العقلي « 81 » الواصل إلى حدّ الظنّ والجزم كما علم من كلام الشّيخ وأدنى مراتب التصديق هو الظنّ فلا يكون لها التصديق بل لها الحكم التخييلى مثل ما لنا في القضايا الشعريّة وذلك كاف في الأفعال الاختياريّة ولا حاجة إلى الظنّ والجزم بل قالوا : النّاس في باب الإقدام والإحجام أطوع للتخيّل منهم للتصديق . فما اشتهر من أنّه لا بدّ في الأفعال الاختيارية من التصديق بترتّب الفائدة أريد بالتصديق فيه ما يشمل التخييل فإنه قد يسمّى تصديقا مسامحة كما سمّاه الشّيخ حكما مسامحة أيضا وكما جعلوا الشّعر أحد الصّناعات الخمس المؤديّة إلى التصديق .
وأمثال هذه المسامحات في كلام الحكماء كثيرة فإنّهم لم يلتفتوا إلى جانب العبارات إلّا بقدر ما يتوقّف عليه إيصال المعاني الدقيقة إلى المتفطّن ومثل ذلك ممّا لا يخفى على من له استعداد الفلسفة وأمّا من ليس له ذلك الاستعداد فلا يعبأ بشأنه بل لا يلتفت إليه وكلّ ميسّر لما خلق له .
ثم هذا الحكم « 82 » التخييلى « 83 » في الحيوانات أيضا إنّما هو لنفوسهم مجردة كانت أو غيرها فإنّا كما نعلم أنّ الحاكم بتلك الأحكام نفوسنا نعلم أنّ الحال فيها أيضا كذلك بالحدس الصّائب فالحاكم مطلقا سواء كان تخييليّا أو عقليّا هو النّفس .
فمنازعة الوهم العقل إنّما هو بمعنى أنّ النّفس بذاتها تحكم حكما وبواسطة استعمالها حكما مخالفا له ، ولمّا كان النّفس سريع الانجذاب إلى الوهم لفاته « 84 » [ 1 ] إلى استعمالها فقد لا
هامش
( 77 ) . بقيام . ط
( 78 ) . حاكمة انها . ط
( 79 ) . ان الأحكام . ( خ ل ) ح
( 80 ) . قلنا . س
( 81 ) . الفصل . س . ط - التخييلى . م - الفصلى . في بعض المخطوطات
( 82 ) . الحاكم . م
( 83 ) . التخيّيلى . ح
( 84 ) . لفافة . م . لغاية . في نسختين موجودتين بمكتبة مجلس الشورى تحت رقم 1888 و 1887
( 1 ) لفّاتة - على وزن فعّالة . مبالغة بمعنى كثير التوجه ، من لفت وهو في الأصل صرف الشيء وليّه عن الطريقة المستقيمة إلى ذات اليمين أو الشمال .
ويقال : لا يلتفت لفت فلان ، أي لا ينظر اليه .