قال الرئيس في غير موضع من كتاب التعليقات : « انّ القوى الأرضية كالنفوس والطبائع لا تحرّك موادّها لتحصيل ما تحتها من المزاج وغيره وان كانت هذه من التوابع اللازمة لها ؛ بل الغاية في تحريكاتها لموادّها هي كونها على أفضل ما يمكن لها ، ليحصل لها النسبة بما فوقها ، كما في تحريكات نفوس الأفلاك أجرامها بلا تفاوت » ، انتهى .
ومن هاهنا لاح أنّ جميع الأشياء من العاليات والسافلات طالبة لكمالاتها بحسب ما يليق بحالها ، ويتصوّر في حقّها ، فلكلّ منها عشق وشوق إرادي أو طبيعي ، حتّى أنّ فاعل التسكين كفاعل التحريك في أنّ مطلوبه ليس ما تحته - كالأين مثلا - بل / 185
PA
/ مطلوبه الطبيعي ومحبوبه الحقيقي كونه على أفضل ما يمكن في حقّه . والمتألّهون من الحكماء حكموا بسريان نور الشوق في جميع الأشياء على تفاوت مراتبهم واختلاف طبقاتهم .
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها
« 1 » ويقتبس بنار الشوق والتعشّق نور الوصول لديها و
إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
« 2 » .
فقد لاح سرّ ما قيل : لولا العشق ما يوجد سماء ولا أرض ، ولا برّ ولا بحر .
فان ازعج سرّك فقلت : انّ الإرادة الجزئية المتجدّدة يجب أن يكون محدثها شيء جزئي ، فانّ العقول الفعّالة لا يحدث عنها تغيّرات جزئية سواء كان إرادة أو طبعا ، فان كانت علّة الإرادات الجزئية للنفوس الفلكية شيئا آخر غير العقول الفعّالة أو ما ينتهى اليه ، فلا تأثير للمفارق في الحركات الفلكية .
قلت ما قاله الرئيس من أنّ الإرادة الجزئية عن تخيّل جزئي عن مشاهدة لحال جزئية ، وربّما كانت عن إرادة متقدّمة إذا انضم إليها التخيّل مع المشاهدة أوجبت إرادة أخرى ، يحجّ فيبلغ بغداد ، ثمّ يريد من بغداد ؛ وربّما كانت مبتدأه عن إرادة متقدّمة ، كمن هو ساكن فينبعث له تخيّل عن حسّ أو تذكّر أو فكر ، فينبعث منه .
هامش
( 1 ) - البقرة ، 148 .
( 2 ) - البقرة ، 148 .