فان قلت : انّه ينافي بظاهره ما في الكافي نقلا عن أبي الحسن الرضا - عليه السلام - والحديث طويل ، بعد ذكر ما قاله الراوي من قوله : « جعلت فداك من كانت رجلاه في خضرة ؟ قال ذلك محمّد كان إذا نظر إلى ربّه بقلبه جعله في نور مثل نور الحجب حتّى يستبين له ما في الحجب ، أنّ نور اللّه منه أخضر ومنه أحمر ومنه أبيض ومنه غير ذلك ، بالجملة « 1 » ما شهد له الكتاب والسنّة فنحن القائلون به » « 2 » ، انتهى .
قلت : لا منافاة بينهما على ما أفيد في تفسير قوله : « جعله في نور » أي جعل اللّه - عزّ وجلّ - محمّدا - صلّى اللّه عليه وآله - في نور من العلم والكمال مثل نور الحجب حتّى يناسب جوهر ذاته جواهر ذواتهم ، فيستبين له ما ينطبع في ذواتهم من الحقائق والعلوم . ثمّ انّ الحجب من ضروب ملائكة اللّه تعالى جواهر قدسية وأنوار عقلية هم حجب أشعة جمال نور الأنوار ووسائط النفوس الكاملة في الاتّصال بجناب ربّ الأرباب ، - جلّ سلطانه - وفي الحديث : « انّ للّه سبحانه سبعا وسبعين حجابا من نور ، لو كشف عن وجهه لاحترقت سبحات وجهه ما أدركه بصره » . وفي رواية « سبع مائة حجاب » وفي أخرى « سبعين ألف حجاب » وفي أخرى « حجابه النور ، لو كشفه لاحترقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره » من خلقه والنفس الانسانية إذا استكملت ذاتها الملكوتية ونضت جلبابها الهيولاني ناسبت نوريتها نورية تلك الأنوار ، وشابهت جوهريتها جوهريتها ، فاستحقّت الاتصال بها والانخراط في زمرتها والاستفادة منها ومشاهدة أضوائها ومطالعة ما في ذواتها من صور الحقائق المنطبعة فيها . وإلى ذلك الإشارة بقوله - عليه السلام - « جعله في نور مثل نور الحجب حتى يستبين له ما في الحجب » . والنور الأخضر : هو النور الموكّل على أقاليم الأرواح الحيوانية التي هي ينابيع عيون الحياة ومنابع خضرتها ؛ والنور الأحمر : هو النور العامل على ولايات المنّة والقوّة والقهر والغلبة ؛ والنور الأبيض : هو النور المتولّى لأمور إفاضة المعارف والعلوم والصناعات .
هامش
( 1 ) - ب : - بالجملة .
( 2 ) - أصول الكافي ، ج 1 / 102 .