القائمة بذاته تعالى - على ما عليه انكسيمايس الملطي - وإمّا أن يكون إشارة إلى وجوده تعالى لما كان عالما « 1 » بجميع الأشياء على أتمّ وجه ، وأكمل انكشاف ، فاطلق عليه المثال تارة ، والعنصر الأوّل - أي الأصل الأوّل - تارة .
وأيضا ذكر في ذلك الكتاب : « انّ العالم مكوّن « 2 » وان كان الباري قد صرفه من لا نظام إلى نظام ، وأنّ جواهره كلّها مركّبة من المادّة والصورة ، وأنّ كلّ مركّب معرض للانحلال » ، انتهى . وهذا كما ترى ، حيث انّ المكوّن من الأسماء المشتركة لا ينافي ما وقع عنه بقوله في كتابه أثولوطيقوس - أي تدبّر البدن - : « أنّ العالم أبديّ ، غير مكوّن ، دائم البقاء » ، انتهى .
وانّما قلنا ذلك ، لأنّ مراده من كونه « غير مكوّن » غير حادث زماني يسبقه زمان ، ولم يحدث عن شيء ، بل انّما صرفه من لا نظام - أي عدم صرف دهري غير زماني ولا آني - إلى نظام وجود منتظم . وأنّ المراد من المادّة والصورة ما يشمل الجنس والفصل ، فيشمل المفارقات القادسة من العقول المقدّسة .
ونظير ما ذكرنا [ ه ] من التوفيق بين كلاميه ما تصدّى تلميذه ، المعلّم الأوّل بين مقاليه حيث أطلق القول ، وفي كتابه المنسوب إلى فاذى « 3 » على ما قال : « انّ جوهر النفس غير مكوّن وانّه لا يموت . » وقال في كتاب طيماوس : « انّه مكوّن وانّه ميّت ، غير دائم . »
للتوفيق بينهما فقال : عني بقوله الأوّل أنّه لم يتدرّج في حدوثه القوّة إلى الفعل ، لكنّه أحدثه دفعة ، ثمّ لم يعرض له موت في دار المثوبة ، وعنى بقوله الثاني أنّه معرض للاستحالة من الجهل إلى العلم ، ومن الرذيلة إلى الفضيلة ، وأنّ ذاته ما كان ليفوز بالبقاء الأبدي لولا استبقاه اللّه تعالى على الدوام . وقد صرّح بذلك في كتاب طيماوس فقال : « انّ خالق الكلّ أوحى إلى الجواهر الروحانية بأنّكم لستم بأنّكم لا تموتون ، ولكنّى استبقيكم بقوّتي الإلهية » ، انتهى .
ولا يخفى أنّ ما وقع عنه بقوله : « وانّ كلّ مركّب يعرض للانحلال » يجوز أن يكون
هامش
( 1 ) - م : علما .
( 2 ) - م : تكوّن .
( 3 ) - كذا . والظاهر أنّه « فايدون » .