وجود الشيء إلى عدم الشيء قد يكون تأخّرا كما قد يكون تقدّما ، وكذلك في جانب الوجود ، بل هو نسبة إلى عدم مقارن لأمر آخر إذا قارنه كان تقدّما وان كان قارن غيره كان تأخّرا ، والعدم في الحالين عدم ، وكذلك نظيره يقارن المنسوب ؛ لأنّ المنسوب أيضا منسوب اليه وبالعكس وله ذلك الحكم ، وذلك الأمر زمان أو نسبة إلى الزمان ، فإن كان زمانا فذلك ما نقوله ، وان كان نسبة إلى الزمان فتكون قبليتها لأجل الزمان .
وكان خاتم المحصّلين نظرا إلى ذلك قال في شرحه للإشارات : « وأمّا ما له حقيقة غير عدم الاستقرار ، يقارنها عدم الاستقرار ، كالحركة وغيرها ، فانّما تصير متقدّما ومتأخّرا بتصوّر عروضها له ، وهذا هو الفرق بين ما يلحقه التقدّم والتأخّر لذاته وبين ما يلحقه بسبب غيره » . وكذا قال فيه تارة أخرى : « ثمّ إذا فرض له أجزاء فالتقدّم والتأخّر لها بعارضين يعرضان للأجزاء ، وتصير الأجزاء بسببهما متقدّمة ومتأخّرة ؛ بل تصوّر عدم الاستقرار الذي هو حقيقة الزمان يستلزم تصوّر تقدّم وتأخّر للأجزاء المفروضة ، لعدم الاستقرار ، لا لشيء آخر » . وهذا معني لحوق التقدّم والتأخّر الذاتيين ، لئلّا يتوهّم متوهّم أنّ عروضهما لها ليس له مطابق في نفس الأمر ، فيكون من الاعتبارات المعتبرة .
فإذا عرفت هذا فيجوز حمل ما وقع عنه في التجريد « 1 » من التقدّم بالذات لأجزاء الزمان بعضه على بعض على تقدّمه بالزمان بذاته لا بأمر آخر . يرشدك اليه ما ذكر في الشجرة الإلهية بهذه العبارة : « والمتقدّم والمتأخّر في الزمان انّما يكون بحسب ملاحظة الذهن الآن الدفعي الوهمي / 23
PA
/ وما حواليه من الزمان ، فما قرب منه من أجزاء الماضي يسمّى بعدا وما بعد عنه يسمّى قبلا ، والمستقبل بالعكس ، وقد يأخذ الذهن مبدءا واحدا ، فكلّ ما قرب منه نأخذه أقدم وما بعد عنه نأخذه أبعد . فعلم أنّ التقدّم والتأخّر في الزمان انّما هو بحسب قرب وبعد من الآن لا من الحركة من حيث هي حركة » .
وبما قرّرنا [ ه ] ظهر أنّ ما قاله صاحب المطارحات من « أنّ لأجزاء الزمان بعضها
هامش
( 1 ) - قارن : تجريد الاعتقاد ، ص 185 .