( ولقائل ان يقول ) ما المعنى بكون النفس رباطا لهذه القوى فان عنيت به ان النفس علة لوجودها فهذا القدر لا يكفى في كون البعض معاونا للبعض على ما فعله أو معاوقا له فان العلة إذا أوجدت قوى مخصوصة في محال متباينة وأعطت لكل واحدة منها آلة خاصة كانت كل واحدة منها منفصلة عن القوة الأخرى غنية عنها غير متعلقة بها بوجه من الوجوه فشروع بعضها في فعله الخاص كيف يمنع الآخر عن فعله أليس ان العقل الفعال مبدأ لوجود جميع القوى في الأبدان فيلزم من كونها بأسرها معلولة لمبدإ واحد وعلة واحدة ان يعوق البعض البعض عن فعله أو يعينه على ذلك وان عنيت به ان النفس مدبرة لهذه القوى ومحركة لها فهذا يحتمل وجهين * ( الأول ) ان يقال إن النفس تبصر المرئيات وتسمع المسموعات وتشتهى المشتهيات وتكون ذاتها محلا لهذه القوى ومبدءا لهذه الأفعال فإذا أبصرت اشتهت أو غضبت وهذا هو الحق ولكن ذلك يوجب القول ببطلان القوى التي أثبتها الشيخ في بعض الأعضاء المخصوصة فان النفس إذا كانت هي الباصرة والسامعة والمشتهية فأي حاجة إلى اثبات القوة الباصرة في الروح التي في ملتقى العصبتين وإلى اثبات قوة سامعة في الروح التي في العصب الصماخى * ( وبالجملة ) فالإنسان انما ابصر وسمع بابصار وسماع قائمين به لا بابصار وسماع قائمين بغيره * ( والثاني ) ان يقال نعنى بكون النفس رباطا ان القوة الباصرة إذا أحست بالمحسوس الجزئي استعدت النفس لان تدرك ذلك على وجه كلي مثلا إذا أدركت القوة الباصرة صورة شخص معين أدركت النفس الناطقة ان في الوجود شخصا موصوفا بلون كذا وشكل كذا وهيئة كذا وكل ذلك
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 407
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٠٧