( واما الموحدون ) فقد احتجوا على ذلك بان قالوا قد دللنا على أن الافعال المختلفة للنفس مستندة إلى قوى متخالفة وان كل قوة فهي من حيث هي هي لا يصدر عنها إلا فعل مخصوص فالغضبية لا تنفعل عن اللذات والشهوانية عن المؤذيات ولا تكون القوة المدركة متأثرة مما يتأثر هاتان عنه * ( وإذا ثبت ذلك فنقول ) ان هذه القوى تارة تكون متعاونة على الفعل وتارة تكون متدافعة - اما المعاونة فلانا نقول متى أحسسنا الشيء الفلاني اشتهينا أو غضبنا - واما المدافعة فلانا إذا توجهنا إلى التفكر اختل الحس أو إلى الحس اختل الغضب أو الشهوة * ( وإذا ثبت ذلك فنقول ) لولا وجود شيء مشترك لهذه القوى يكون كالمدبر لها بأسرها لامتنع وجود المعاونة والمدافعة لان فعل كل قوة إذا لم يكن له اتصال بالقوة الأخرى وليست الآلة مشتركة بل لكل واحد منها آلة مخصوصة وجب ان لا يحصل بينها هذه الممانعة والمعاونة وإذا ثبت وجود شيء مشترك فذلك المشترك اما ان يكون جسما أو حالا في الجسم أو لا جسما ولا حالا فيه والقسمان الأولان باطلان بما مضى في الفصول السابقة فبقى القسم الثالث وهو ان يكون مجمع القوى شيئا لا يكون جسما ولا جسمانيا وهو النفس * ( فان قيل ) لو كانت هويتك هي النفس لكنت تعرف النفس دائما وليس كذلك فإنك لا تعرف النفس الا ببرهان * ( فنقول ) المجهول هو تسمية هويتك بالنفس واما الماهية المسماة بالنفس فهي معلومة لك ابد الان النفس هي الذات المستعملة للآلات البدنية في أصناف الادراكات والتحريكات وذلك معلوم من غير حاجة إلى البرهان هذا حاصل كلام الشيخ *
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 406
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٠٦