( وبهذا أيضا ) ظهر فساد قول من يقول لعل القوة المدركة لجميع المدركات قائمة بجسم لطيف محصور في بعض الأعضاء ( لأنا نقول ) لو كان كذلك لكنا نجد من أبداننا موضعا مشتملا على جسم موصوف بكونه سامعا مبصرا عاقلا فاهما ولسنا نجد ذلك * ( وليس لأحد ان يقول ) هب انكم لا تعرفون ذلك الموضع اما عدم علمكم بذلك فلا يدل على عدمه ( لأنا نقول ) انا قد دللنا على انا نحن السامعون المبصرون المتخيلون الفاهمون العاقلون فلو كان بعض الأجسام سواء كان جزأ من البدن أو كان محصورا في جزء من البدن يكون موصوفا بالقوة المتعلقة بجميع هذه المدركات فحينئذ لم يكن حقيقيا ولا هويتنا الا ذلك الجسم الموصوف بتلك القوة المتعلقة بجميع المدركات ولو كان كذلك ثم انا لا نعرف ذلك الشيء لكنا لا نعرف حقيقة أنفسنا وذلك باطل فثبت ان الموصوف بتلك القوة المدركة لجميع الادراكات ليس جسما أصلا فهو جوهر مجرد وذلك هو المطلوب * ( واما المنكرون ) لتجرد النفس فلهم ان يحتجوا بأمور ثلاثة * ( الأول ) انا نعلم بالضرورة ان المدرك لألم الضرب هو البشرة وان المدرك للذوق هوا للسان فإذا هذه الادراكات جسمانية وقد دللتم على أن المدرك لجميع المدركات بجميع أصناف الادراكات شيء واحد فلما ثبت ان المدرك للملموسات والمذوقات شيء جسماني وجب ان يكون المدرك للمعقولات شيئا جسمانيا وذلك هو المطلوب * ( والثاني ) انا إذا رأينا شخصا معينا ثم رأيناه بعد ذلك فانا نعلم بالبداهة ان هذا الانسان هو الذي شاهدناه بالأمس ولو اعتبر في هويته شيء وراء هذه البنية
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 379
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٣٧٩