مع أن القوة الشوقية والقوة الوهمية عندكم جسمانيتان ( فهذه جملة ) ما وجدناه من الأدلة على اثبات تجرد النفس ولم يقنعنا شيء منها للشكوك المذكورة فمن قدر على حلها أمكنه ان يحتج بها * ( والذي يعول عليه ) في اثبات هذا المطلوب هو ان كل عاقل يجد من نفسه انه هو الذي كان قبل ذلك فهويته اما أن تكون جسما واما أن تكون قائمة بالجسم واما ان لا تكون جسما ولا قائمة بالجسم * ( والأول باطل ) اما أولا فلان الانسان قد يكون عالما بهويته عند ذهوله عن جملة أعضائه الظاهرة والباطنة ( واما ثانيا ) فلان الابعاض الجسمانية دائمة التحلل والتبدل لان الأسباب المحللة من الحرارة الخارجية والداخلية والحركات النفسانية والبدنية مما لا يختص بجزء دون جزء والبدن مركب من الأعضاء المركبة وهي مركبة من الأعضاء البسيطة مثل العظم واللحم فيكون كل جزء من اللحم مثل الآخر في الاستعداد للتحلل فإذا كانت الاجزاء كلها متساوية في ذلك كانت نسبة المحللات إلى كل واحد من تلك الأجزاء كنسبتها إلى الجزء الآخر فلم يكن عروض التحلل لبعض الاجزاء أولى من عروضه للبعض الآخر فثبت ان هوية الانسان ليست جسما وليست أيضا شيئا قائما بالجسم لان القائم بالجسم يجب ان يتبدل عند تبدل الجسم لاستحالة انتقال الاعراض فكان يلزم ان لا يجد الانسان من نفسه انه هو الذي كان موجودا قبل ذلك ولما كان هذا العلم من العلوم البديهية علمنا أن هوية الانسان ليست جسما ولا محتاجة إلى الجسم فهي جوهر مجرد وذلك هو المطلوب * ( فان قيل ) فما قولكم في سائر الحيوانات ( فنقول ) انه لم يثبت عندنا انها
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 377
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٣٧٧