تعقل من أنفسها انها هي التي كانت موجودة قبل ذلك حتى يلزم أن تكون نفوسها مجردة فالحاصل ان الشعور بالهوية مع الذهول عن جميع الأعضاء يدل على أن تلك الهوية مغايرة لجميع الأعضاء واما الشعور بان هذه الهوية هي التي كانت موجودة قبل ذلك بسنين وأعوام فإنه يدل على أن تلك الهوية غير محتاجة إلى شيء من الأجسام والحيوانات قد عرفنا بالدليل الذي ذكرناه انها تعلم هويات أنفسها ولم نعرف بالدليل انها تعرف من أنفسها انها هي التي كانت موجودة قبل ذلك فلا جرم لم يلزم أن تكون نفوسها مجردة واللّه اعلم فهذا هو الذي يعول عليه في اثبات تجرد النفس * ( وأيضا ) يمكن ان يحتج على هذا المطلوب بحجة أخرى وهي انا قد دللنا على أن المدرك بجميع أصناف الادراكات لجميع المدركات شيء واحد في الانسان * ( فنقول ) ذلك المدرك اما ان يكون جسما أو صفة قائمة بالجسم واما ان لا يكون جسما ولا قائما بالجسم والأول ظاهر الفساد لان الجسم من حيث هو جسم لا يمكن ان يكون مدركا و ( الثاني ) أيضا باطل لان تلك الصفة اما أن تكون قائمة بجميع اجزاء البدن واما أن تكون قائمة ببعض اجزاء البدن دون بعض ( والأول ) باطل والا لكان كل جزء من اجزاء البدن سامعا مبصرا متخيلا متفكرا عاقلا وليس كذلك فان أصابع الرجل لا تتخيل ولا تبصر بل أكثر الأعضاء لا تتخيل ولا تبصر ولا تسمع ولا تعقل ( وباطل أيضا ) ان يقال إن بعض الأعضاء قامت به القوة المدركة لجميع هذه المدركات لأنه يلزم ان يكون في البدن عضو واحد ذلك العضو سامع مبصر متخيل متفكر عاقل فاهم ولسنا نجد ذلك *
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 378
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٣٧٨