ذلك العصفور أو الانسان أو الفيل لو كان نورا كله لما امتد ولا أحال من الهواء عشرة فراسخ فضلا عن أن يحيل ما بينه وبين الثوابت وان لم يكن ذلك جليا فلا جلي في العقل * ( واما الجواب عما احتجوا به أولا ) فنقول انكم بينتم ان ادراكنا للشيء في المرآة ليس لأجل انطباع صورة ذلك الشيء في المرآة وذلك حق اما لم قلتم انه يلزم من ذلك ان يكون ذلك لأجل خروج الشعاع عن العين ولم لا يجوز ان يقال إن من شان المرئى إذا قابل البصر وبينهما مشف والمرئى مضىء بالفعل ان يرى ذلك المرئى ويكون المشف مؤديا بمعنى انه شرط لحصول الابصار ثم إن اتفق ان كان الجسم ذو الشبح صقيلا رؤى معه جسم آخر نسبته من الصقيل نسبة العين من الصقيل لا بان يتشبح الصقيل بصورة شيء بل بان يكون ابصاره شرطا لابصار الجسم الذي يكون بينه وبين العين على النسبة المخصوصة ( وأكثر ) ما يتعجب من هذا انه كيف يرى ما لا يقابل العين ولا ينطبع صورته في المقابل وهذا ليس فيه الا التعجب من جهة الندرة فقط ولو كانت العادة من التأثيرات الطبيعية على أن عامتها تحصل بالمحاذاة لا بالمماسة لكان إذا اتفق ان يقال في شيء واحد انه يؤثر بالمماسة فلا يتعجب منه وكذلك الحال في التعجب الذي يعرض من وجود جسم يؤثر على وضع غير متعارف في تأثير الأجسام واما ان ذلك ممتنع فلا برهان عليه بل هو الحق إذ الصقيل غير قابل لصورة ما يقابله على ما ثبت بالبراهين بل يكون شرطا لحصول الادراك به كما أن المشف شرط الا ان المشف شرط لحصول الابصار المحاذى والصقيل شرط لحصول ابصار محاذى المحاذى والبرهان يمنع من صحة غيره وعلى الجملة فليس يلزم من بطلان انطباع الصورة في المرآة صحة القول بانعكاس الشعاع الخارج من العين إليها عنها
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 294
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٩٤