( واعلم ) انه لم توجد دلالة قاطعة على انحصار اقسام المتقدم والمتأخر في هذه الخمسة بل البحث التام لم يوصل الا إلى هذه الاقسام ثم إن هذه الاقسام بأسرها مشتركة في امر واحد وهو ان المتقدم هو الذي لا يوجد للمتأخر المعنى المعتبر فيه التقدم والتأخر الا وقد وجد للمتقدم * ( فان قيل ) تقدم العلة على المعلول اما ان يكون لماهيتهما أو لنفس العلية والمعلولية أو لمجموع الامرين اعني الماهية مع اعتبار العلية والمعلولية ( والأول باطل ) لان حركة اليد إذا اعتبرت من حيث إنها حركة اليد واعتبرت حركة الخاتم من حيث إنها حركة الخاتم لم يكن بينهما تقدم أو تأخر أو معية لان كل ماهية إذا اعتبرت من حيث هي هي فهي لا متقدمة ولا متأخرة ولا مقارنة على ما عرفت في باب الماهية ( والثاني أيضا باطل ) لان العلية والمعلولية وصفان إضافيان فيكونان معا في الوجود فيستحيل ان يكون لأحدهما تقدم على الآخر * ( وهكذا القول ) فيما ذا جعل المتقدم باعتبار المؤثرية والمتاثرية لأنهما وصفان إضافيان فيكونان معا وإذا كانت الماهية من حيث هي هي غير متقدمة ولا من حيث إنها علة متقدمة امتنع ان يكون للمجموع تقدم * ( فنقول ) انا لا نعنى بهذا التقدم والتأخر الا احتياج أحدهما إلى الآخر في الوجود وتوقفه عليه الا ان هذا كالمخالف للمشهور لأنهم يعللون هذا التقدم بهذه الحاجة فيقولون لما احتاجت حركة الخاتم إلى حركة الإصبع وجب ان يكون لحركة الإصبع تقدم على حركة الخاتم وهذا مشعر بكون التقدم والتأخر معلولين للحاجة واما نحن فقد فسرنا التقدم والتأخر بنفس تلك الحاجة فهذا ما عندي في هذا الموضع *
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 447
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٤٧