والتحقيق في هذا الباب ان نقول نحن لا نعنى بالوجود الا حصول الشئ وتحققه وثبوته فمن أثبت امرا آخر وراء ذلك وسماه بالوجود كان اطلاق الوجود عليه وعلى ما قلناه بالاشتراك ويرجع حاصل الكلام إلى أنه ثبت للذات صفة أخرى وراء الحصول والتحقق فعليه ان يقيد تصوره ثم يقيم الحجة على التصديق به ( فان قال ) اعني بالوجود صفة تقتضي حصول الشئ في الأعيان فعند ذلك نقول لا يجوز ان يكون حصول الشئ في الأعيان معللا بصفة قائمة به لوجهين ( الأول ) ان اتصافه بتلك الصفة التي هي علة الوجود مسبوق بحصوله في نفسه ولا كذلك حصول الوجود بمعنى نفس حصول الماهية فان ذلك نفس حصولها لا حصول شيء لها على ما مر لان حصول الشئ في نفسه سابق على حصول غيره له فلو كان حصول غيره له علة لحصوله في نفسه لزم الدور ( الثاني ) وهو ان علة الحصول لا بد وأن تكون مخالفة لنفس الحصول في الحقيقة والا لم يكن كون أحدهما علة للآخر أولى من العكس وتلك العلة لا بد وان يكون لها حصول فيكون حصول علة الحصول محتاجا إلى علة أخرى ويلزم التسلسل ( ومما احتج به ) في أول المسألة بان قيل لو كان الوجود ليس هو نفس الكون في الأعيان لزم صحة ان تعلم الماهية كائنة في الأعيان قبل العلم بثبوت ذلك الزائد له فكان ينبغي ان لا يكون علمنا بوجود الأمور المحسوسة بديهيا بل كان مستفادا من الحجة حتى يكون الشاك في تلك الحجة شاكا في ذلك ولما كان ذلك باطلا علمنا أن الوجود ليس الأنفس الكون في الأعيان وهذه الحجة لا تفيد نفي تعليل الحصول بعلة زائدة إذ لقائل ان يقول البديهي المسمى بالوجود ظاهرا هو نفس الحصول في الأعيان فاما انه معلول بصفة أخرى هي الوجود أو غير معلول بها بل هو نفس الوجود بالحقيقة فذلك بالاكتساب ( ومما قيل هاهنا )
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 44
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٤