سريع الزوال لم تتقرر صورة المؤذى في الخيال ولم تنجذب النفس إلي طلب الانتقام * ( واما انه ) يجب ان لا يكون الانتقام في غاية السهولة فلوجهين ( أحدهما ) ان الانتقام إذا كان سهلا اشتغلت النفس بحركة الانتقام واشتغال النفس بالقوة المحركة يمنعها من الاشتغال باستحفاظ صورة المؤذى في الخيال والذكر لان اشتغال النفس بجهة يمنعها من الاشتغال بجهة أخرى * ( وثانيهما ) ان الشوق إلى الانتقام إذا اشتد ولم يكسر منه خوف بلغ من تأكده وسهولة حصوله إلى أن صار عند الخيال كالحاصل والحاصل لا يطلب حصوله فلا جرم لا يبقى الشوق إلى تحصيله ولذلك فان الانتقام من الضعفاء لما كان سهلا سقط الشوق اليه * ( والدليل ) على أن حالة الخيال في الرغبة والرهبة مبنية على المحاكيات لا على الحقائق تنفر النفس عن العسل إذا شبه بمرة مقيئة وعن سائر المطاعم والمشارب إذا كانت صورها شبيهة بصور الأجسام المستقذرة فكذلك الشئ الذي يسهل حصوله ينزل عند الخيال منزلة الحاصل فلا يبقى الشوق إلى تحصيله * ( واما انه ) يجب ان لا يكون الانتقام في غاية العسر بل يكون في محل الطمع فلان المؤذى إذا كان عظيما مثل الملوك فان اليأس من الانتقام منه والخوف يمنع ثبات صورة الشوق إلى الانتقام في النفس * ( فثبت بهذا ) ان الحقد انما يوجد عند وجود غضب ثابت متوسط بين الشدة والفتور ومعلوم ان ثبات الغضب انما يكون إذا كان الدم غليظا كدرا أو ان توسط الغضب بين الشدة والفتور انما يكون إذا كان الدم باردا ( فثبت ) ان الدم الغليظ الكدر المائل إلى البرودة هو المستعد للحقد ( وأكثر
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 413
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤١٣