امتزاج تلك الأوليات بعضها بالبعض ولا محالة انها تكون مرتبة ترتيبا طبيعيا يكون كل متقدم منها سببا للمتأخر *
الفصل التاسع عشر في اثبات القوة القدسية
( اعلم ) ان الانتقال من الأوليات إلى النظريات اما ان يكون بتعليم معلم أولا يكون فإن كان بتعليم معلم فلا بد وان ينتهى بالآخرة إلى ما يكون ذلك من تلقاء نفسه والا لتسلسل إلى غير النهاية ولان كل من مارس علما من العلوم وخاض فيه وداوم على مزاولته فإنه لا بد وان يستخرج بفكر نفسه ما لم يسبقه اليه متقدموه قل ذلك أو كثر * ( وكيف لا نقول ذلك ) وقد بينا ان الاحساس بالجزئيات سبب لاستعداد النفس لقبول تصورات كلية وسنتعرف ان حصول التصورات المتناسبة سبب لحكم الذهن بثبوت أحدهما للآخر فلا نكير لو وقع للذهن التفات إلى تصور محمول بسبب الاحساس بجزئياته عند استحضار تصور موضوعه وعند ذلك يترتب عليه لا محالة الجزم بثبوت ذلك المحمول لذلك الموضوع من غير أن استفاد ذلك من معلم أو سمعه عن مرشد وقائل ( فظهر ) ان الانسان يمكنه ان يتعلم من نفسه وكل ما كان كذلك فإنه يسمى حدسا وهذا الاستعداد يتفاوت في الناس فرب انسان لو أكب طول عمره على تعلم مسئلة تعذر عليه ذلك وانصرف عنه بدون مطلوبه ورب انسان يكون بالعكس حتى أنه لو التفت ذهنه اليه أدنى لفتة حصل له ذلك ولما رأينا ان الدرجات فيه متفاوتة والمراتب مختلفة بالقوة والضعف والأقل والأكثر فلا يبعد وجود نفس بالغة إلى الدرجة القصوى في القوة وسرعة الاستعداد لادراك الحقائق حتى كان ذلك الانسان يحيط علما « بحقائق الأشياء من غير طلب منه