ان العقل البسيط الذي لواجب الوجود ليس عقليته لأجل حصول صور كثيرة فيه بل لأجل فيضانها عنه حتى يكون العقل البسيط كالمبدإ الخلاق للصور المفصلة في النفس وتارة يجعله عبارة عن كيفية ذات إضافة إلى الشئ الخارجي وذلك عندما يبين ان العلم داخل في مقولة الكيف بالذات وفي مقولة المضاف بالعرض ( وأيضا ) عندما يبين ان تغير المعلوم يوجب تغير العلم الذي هو كيفية ذات إضافة وإذا عرفت ان الشيخ ذهب في هذا الباب إلى كل الاقسام المحتملة فقد عرفت اضطراب رأيه في حقيقته ( فلنرجع ) إلى عقولنا ولنجتهد في طلب الحق * ( فنقول ) اما القسم الأول وهو ان التعقل ليس امرا سلبيا فذلك ظاهر من حيث إنه لو جعل سلبيا لما كان اي سلب اتفق هو العلم بل سلب ما يقابله وهو الجهل فلا يخلو اما ان يكون عبارة عن عدم الجهل البسيط الذي هو عبارة عن عدم العلم فيكون العلم عبارة عن عدم عدم العلم فيكون امرا ثبوتيا واما ان يكون عبارة عن سلب الجهل المركب لكن لا يلزم من سلب الجهل المركب حصول العلم لاحتمال خلو المحل عنهما * ( فان قيل ) لا نجعله عبارة عن سلب الجهل بل عبارة عن سلب المادة ولواحقها ( فنقول ) هذا باطل من وجوه ثلاثة * ( الأول ) وهو أقربها ان التجرد عن المادة لا يختص بشيء دون شيء آخر إذ من الممتنع ان يقال الشئ الفلاني مجرد عن المادة بالنسبة إلى هذا دون ذاك ولا يمتنع ان يقال الشئ الفلاني يعقل هذا دون ذلك فالتجرد عن المادة غير متخصص بشيء دون شيء والتعقل متخصص بشيء دون شيء فإذا التجرد ليس هو التعقل *
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 325
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٣٢٥