يدل على استحالة الخلاء * ( فان قيل ) لا يجوز أن تكون العلة في عدم نزول الماء من الاناء ما ذكرتموه من تلازم سطوح الأجسام لثلاثة أوجه ( اما أولا ) فلانه يلزم ان لا ينزل عند اتساع الثقب ( واما ثانيا ) فكان يجب ان يمتنع نزول الزيبق إذا كان الاناء مملوءا زيبقا ( واما ثالثا ) فلانه إذا كان نصف الاناء مملوء اما ونصفه هواء ثم إذا شددنا رأس الاناء وجب ان ينزل الماء لامكان ان ينبسط الهواء الذي فيه حتى يشتغل كل الاناء * ( فنقول ) اما الأول فغير لازم لان الثقبة إذا كانت واسعة أمكن ان ينزل الماء من ناحية ويصعد الهواء من ناحية أخرى وهو مشاهد في القارورة الضيقة الرأس المكبوبة على الماء فإنه يضطرب نزول الماء في رأس الاناء لمزاحمة صعود الهواء له ( واما الثاني ) فنقول فرط ثقل الزيبق ربما أوجب زيادة مدافعة الهواء المجاور للثقب فيضطره ذلك إلى التحرك فإذا لم يجد مكانا وراءه اضطر ذلك إلى مزاحمة الزيبق ودخوله من ناحية من نواحي الثقب كما ذكرنا من قبل واما ان تعذر ذلك احتبس الزيبق ولم ينزل ( واما الثالث ) فنقول ان الطبيعة تفعل الأسهل فالأسهل ولا يمتنع ان يكون وقوف الماء أسهل على الطبيعة من تعظيم حجم الهواء * ( الثاني ) الانبوبة إذا غمس أحد طرفيها في الماء ومص الطرف الآخر فان الماء يصعد حال خروج الهواء ومعلوم انه ليس من شان الماء الصعود فبقى ان يكون ذلك لان سطح الهواء ملازم لسطح الماء فإذا مص الهواء انجذب فتبعه الماء في الانجذاب ( ويشبه ذلك ) بما يشاهد من ارتفاع اللحم عند مص المحجمة ولا علة لذلك الا تلازم السطوح ( وهذه الوجوه تتأكد )
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 236
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٣٦