كلهم يحكمون بان الماء انما حصل في الاحياز التي بين أطراف الاناء * ( ومنهم من احتج ) على اثباته ولهم في هذا الاحتجاج طريقان ( أولهما ) ان يدلوا على اثبات مذهبهم بان المكان هو البعد ( وآخرهما ) ان يحتجوا على فساد قول أصحاب السطح ثم يلزمون من ذلك صحة القول بالابعاد * ( اما الطريق الأول ) فمن وجهين ( أحدهما ) ان اختلاط البسائط قد يكون سببا لاشتباه بعضها بالبعض وانما يزول ذلك الاشتباه برفع شيء بعد شيء من تلك المختلطات حتى لا يبقى الا ذلك البسيط فحينئذ يتميز هو عن تلك الأشياء والبعد الذي ادعيناه من هذا الباب فانا إذا توهمنا خروج الماء من الاناء وعدم دخول الهواء فيه لزم ان يكون البعد الثابت بين أطراف الاناء موجودا وذلك يعرفنا ان ذلك البعد أيضا كان موجودا عندما كان فيه ماء أو هواء ( وثانيهما ) ان كون الجسم في مكان ليس لسطحه فقط بل ومع جسمه أيضا فيجب ان يكون ما فيه مساويا له لكن المتمكن فيه جسم ذو ابعاد ثلاثة فالمكان يجب ان يكون ذا أقطار ثلاثة * ( واما الطريق الثاني ) فمن وجوه خمسة ( أولها ) ان المكان لو كان سطحا محيطا لسطح الجسم لكانت الحركة عبارة عن مفارقة سطح متوجه إلى سطح آخر ثم الطائر الواقف في الهواء أو الحجر الواقف في الماء عندما يجرى الهواء والماء عليهما يجب ان يكونا متحركين فان الذي فرض مكانا لهما قد تبدل عليهما ولما لم يكن الطائر الواقف في الهواء والحجر الواقف في الماء متحركين بل ساكنين وكل ساكن فسكونه في مكان وإذ ليسا لازمين لسطح واحد فليس هناك ما يفرض سكونهما فيه سوى البعد الذي يشغله الذي لا يتحرك ولا يتبدل بوجه بل يكون لابثا ابدا على حالة واحدة ( وثانيها ) ان المكان يجب
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 223
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٢٣