تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل أبو الحسن العامري — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
وأما اللاحق به / لآفة في معرفته ، فإما [ 1 ] أن يقع لضعف تمييزه بين المعاني الذاتية والمعاني العرضية ، كالذي كان بدنه ممتلأ من الكيموسات « 81 » البلغمية ، فيشرب ماء باردا ، فيعرض له الفالج ، فحسبه من تلك الشربة ؛ أو الذي كان حدوثه متعلقا بآثار فلكية ، قد تقدمته ، فوافق انتقال كوكب عن برجه أو ورود انسان في وقته ، فاعتقد أنه هو السبب له . وإما [ 2 ] أن يقع لضعف تمييزه بين مراتب الشيء بالقوة ومراتبه بالفعل ، كالذي يمدّ بصره بالنور المفرط ، وهو ينبو عنه ، أو يمدّ « 82 » صبيّه بالأغذية القوية ، وهو يضعف عن احتمالها . وكما أن الأشجار القوية لا انتعاش لها الا بالسنين المتتابعة ، والا بالمواد المتصلة - ومهما ابتغي تمامها في مثل مدة اليقطين ، والرياحين ، فقد التمس الجوهر السريّ من المنبت الدنيّ - كذا الحوادث العظيمة ، كالدول في الملك والملّة ؛ لما كانت بحيث لن يستغنى في أبوابها عن الاستدلال بنتائج القرانات وتحاويل الأدوار - متى طولب عرفانها - مع طيّ هذه الأبواب كلّها ، فقد التمس المعنى الرفيع من المنصب الوضيع . فأما الحوادث الخسيسة ، كالضمائر السوقية ، والمواليد العامية ، فلن يتطلّب عرفانها من القرانات والأدوار . وبمثله الحال في الأمراض المزمنة إذا أريد قلعها بشربة من الدواء أو بشربتين . وإذ عرف هذا فمن الواجب أن نعلم أيضا أن ثمرة الطب لما كانت مقصورة على المعالجات الجسدانية ، وكان الانسان الإلهي الذي استخلص نفسه لعبادة ربّ العزّة ، واستقصى سعيه لطلب الزلفى اليه ، واثقا بكرامة مولاه له ، فلم يستجز من نفسه الاستعانة بالطبيب فيما اعتراه من العلة ، بل استنزل البرء بالعلاج الروحاني ، واستشفى من « 83 » المرض بالابتهال الديني / ، فوفّق لاجتناب المضار كلّها بالصنع الإلهي ، وتأيّدت الطبيعة الجسمانية فيه بالقوة النفسانية ، فهو وإن استغنى ، في إماطة العلة ، عن الصناعة الطبية ؛ فلن يجوز لواحد من الملوك الدنيوية أن يترك الاستعانة بالطب رأسا ، أو يحاول الاتكال على الاتفاق السماوي أيضا . ومهما فعله فقد صار ملتمسا للسريّ من العون بالدنيّ من الرتبة . وبمثله الحال في الملهم الروع
هامش
( 81 ) الكيموس : « المادة . يقال هذا الطعام يولد كيموسا رديا أو جيدا ؛ يعني به ما يولّده في البدن من الغذاء » . الخوارزمي : مفاتيح العلوم ، ص 181 .
( 82 ) ص : مد .
( 83 ) ص : عن .