تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل أبو الحسن العامري — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
لفتح البلاد واستخلاص الممالك . وقد يكون من الأطباء من هو ذو توسع في صناعته ، وتقدّم في بصيرته ، ثم لا يوفّق لتصحيح المرض . / وقد يكون من التجار من هو ذو معرفة بالسلع ، وذو يقظة في التصرف ، ثم لا يوفّق للأرباح . وبمثله الحال في الفطنة ، والجدليّ ، بالإضافة إلى تخريج التلامذة والفلج « 75 » في المناظرة بل بمثله الحال في المنجّم بالإضافة إلى الإصابة في قضاياه . غير أن كلّ واحد من هؤلاء ، وإن حرم التوفيق ، فإنه « 76 » لا يعيب صناعته وكيف يعيبها وقد علم أن الحرمان فيها لن يلحقه الا لأحد وجهين : إما لآفة في نفس الفاعل وإما لآفة في معرفته . فأما اللاحق « 77 » لآفة في نفسه : فاما أن يقع بحسب الجبلّة وإما أن يقع بحسب السيرة . فأما الواقع بحسب الجبلّة فهو أن يحصل بين همته النفسانية وبين الأصول الصناعية ائتلاف ومناسبة ؛ ثم بين فهمه وبين فروعها الاستنباطية عناد ومضادة . فهو يستجلي أصولها ويسعف باستيفاء الحظ منها ، ثم يتعثر في كلّ ما حاول استنباطه من فروعها ، ويتبلّد فيها . وتكون الحكمة في التقدير الإلهي بحصول الجبلّة على تلك الصيغة هو أن لا يحمله فرط الاستهتار بها على ما يوجب الزراية على كلّ ما عداها من الصناعات الشريفة ، وخصوصا إذا قيل إنّ المرء لما جهله عدو . وأما الواقع بحسب السيرة فهو أن يوجد ذو الصناعة قد استشعر ، لفرط نفاذه فيها ، ضربا من الاستطالة والخيلاء ؛ أو يطلب بها الثروة والفخر ؛ أو ينسى حرمة العبودية في التكلان « 78 » على خالق البريّة ، فيلحقه خذلان اللّه تعالى في تعاطيها ، ليصير مزجرة له عن سوء ما انطوى عليه منها ، وليتبرأ به عن حول نفسه وقوتها ، ويخلص التوكل على مولاه في جميع ما يتوخّاه ، متأدبا فيه بأدبه ، أعني المذكور بقوله : « ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غدا الا أن يشاء اللّه ، واذكر ربك إذا نسيت ، وقل عسى أن يهدين « 79 » ربي لأقرب من هذا رشدا » « 80 » .
هامش
( 75 ) الفلج : الفوز .
( 76 ) ص : بأنه .
( 77 ) ص : الأجوبة ؛ مصححة في الهامش إلى ما أثبتناه .
( 78 ) التكلان : الاتكال . انظر مادة « وكل » في لسان العرب .
( 79 ) ص : يهديني .
( 80 ) سورة « الكهف » ، الآيتان « 23 ، 24 » .
رسائل أبو الحسن العامري — صفحة 278 | أبو الحسن العامري