تصير جمرة ، أو تصير صاعقة ، أو تصير شهابا ؛ وهي تبرز بحسب كلّ واحد من هذه الأحوال فعلا على حدة ؛ وبمثله الأرض قد يعرض لها أن تصير رملة « 53 » ، وأن تصير سبخة « 54 » ، وأن تصير علكة « 55 » ، وأن تصير صخرة ، وأن تصير غراة « 56 » ؛ وهي تبرز بحسب كلّ واحد من هذه الأحوال فعلا على حدة ؛ وبمثله الهواء عندما يعرض له من اللطافة / والكثافة ، أو التموج والتخلل ، والهدوء أو التحرك ؛ كذا أيضا شاهدنا الجوهر الإنسيّ قد يعرض له بحسب فعله الاختيارات ، أعني التعلق بالشوق المنبعث بأن « 57 » يوجد مؤديا له ، تارة بحسب الفضيلة ، وتارة بحسب المحبة ، وتارة بحسب الغضب ، وتارة بحسب الطرب ، وتارة بحسب الحاجة ، وتارة بحسب القهر ؛ فتختلف بها صور الحركات الاختيارية ، وذلك لسعة غرضه بين الدرجة البهيمية والدرجة الملكية ولهذا ما انقسمت فرق الناس إلى ثلاث وسبعين وكانت الناجية منها واحدة ، على نحو ما شرحناه في كتابنا الملقب ب « النسك العقلي والتصوف الملّي » ؛ بل لهذا ما يوجد الانسان الواحد مختلفا أحواله باستشاطة الغضب بالسرعة ، وحسن تحالمه بالركانة « 58 » ، وإن وجدت العلة المهيجة معنى واحدا . ولولا تفاوت الناس في غرائزهم ، بهذا النوع من المعاني العارضة ، لما اختلف الأعمار بين سكان الآجام « 59 » وسكان الفلك « 60 » بحسب طولها وقصرها ، ولما وجد الشكل الواحد من أشكال الأنجم مهما دلّ في مواليد الملوك على نيل الرئاسة يكون أثره مخالفا له إذا دلّ على نيلها في مواليد السفل . ومهما دلّ في مواليد الترك والصقالبة على نيل الأدب والحكمة يكون أثره مخالفا له إذا دلّ على نيلها في مواليد الهند والروم .
وإذ تقرر لنا مصداق هذه القضية بما أيّدناها به من الشواهد الحسية فبالحريّ أن تتّضح لنا حال الممكن التقلّبي ؛ وأن نعلم أنه من علائق هذا الصنف من
هامش
( 53 ) أي يعلوها الرمل .
( 54 ) أي أرض ذات نز وملح أو مغطاة بالطحلب .
( 55 ) العلك : اللزج ، الذي يعلق باليد .
( 56 ) الكلمة في الأصل غير واضحة الرسم . والغراة هي الشديدة التماسك كأنما يلتصق بعضها ببعض بالغراء .
( 57 ) ص : به أن .
( 58 ) الركانة : الوقار والرزانة .
( 59 ) الآجام : مفردها « الأجم » ، وهو « الدغل » . والمقصود بسكان الآجام سكان الغابات .
( 60 ) الفلك : قطع من الأرض تستدير وترتفع عما حولها . والمقصود بسكان الفلك سكان الجبال .