المستقيم « 48 » ، حسب ما ذكرناه في « الفصول البرهانية في المباحث النفسانية » .
وإنما توصلوا إلى معرفة هذه الأبواب من وجهين : أولهما « 49 » الوحي الإلهي / فإنهم بأجمعهم ، ما خلا جيل الهند ، قد أسندوا مبادئ التنجيم إلى إمامهم الأول وهو « هرمس » - المذكور عندنا « 50 » إدريس النبي ، عليه السلام - و [ قالوا ] إنه قد عرج بروحه إلى السماء ، فاطّلع عليها . والآخر السبر الامتحاني « 51 » حسب ما استخرجت به المعرفة بقوى الكثير من العقاقير والأدوية والأسرار الطبيعية .
ثم لمّا استخلصوا لأنفسهم من هذين الوجهين هذه الفصول الصناعية أقاموها مقام المبادي الأوّليّة ، وأعملوا عليها المقاييس النظرية ، بصادق البحث والرويّة ؛ وأفضوا به ، على تظافر العقول وتعاون القرون ، من استنباط الشيء بعد الشيء ، إلى أن صيّروها صناعة متجردة لتقدمة المعرفة بالأكوان الحادثة . وعلى هذه الصورة جرت الحال في صناعة الفقه ، وصناعة الكلام ، وصناعة النحو ، وصناعة العروض ، وغيرها من الصناعات الشريفة « 52 » .
وإذ تحقق هذا ، فمن الواجب علينا أن نقول [ شيئا يفرّق ] الامكان التقلّبي عما سبق ذكره من الامكان الطبيعي ؛ وخصوصا إذا جمعنا هما معا - بحسب هذا البيان - تحت التأثير الفلكي ، فنقول : إنّا لمّا شاهدنا الماء مختصا ، بطباعه ، لفعل جوهري له ، ثم وجدناه قد يعرض له أن يجري تارة ، ويغور تارة ، ويتموج تارة ، ويغلي تارة ، ويجمد تارة ؛ وهو يبرز لكلّ واحد من هذه الأحوال فعلا على حدة ؛ وبمثله قد شاهدنا النار قد يعرض لها أن تشتعل بالنفخ ، أو تلتهب بالدخان ، أو
هامش
( 48 ) الفلك المستقيم : « معدل النهار ، وهو الدائرة العظمى التي تحيط على قطبي السماء اللذين عليهما يتحرك من المشرق إلى المغرب دورة في كل يوم وليلة . سمي « معدل النهار » لأن الشمس إذا بلغته اعتدل النهار » . الخوارزمي : مفاتيح العلوم ، ص 215 . ويقول العامري في « الفصول في المعالم الإلهية » إنّ « الفلك المستقيم » هو « فلك الأفلاك » وهو « العرش » ص 3 .
( 49 ) ص : أحدهما ؛ ثم كتب الناسخ تحتها كلمة « أولهما » صح .
( 50 ) ص : عندهم .
( 51 ) ص : الحيواني ؛ مصححة في الهامش إلى ما أثبتناه .
( 52 ) هذه إشارة من العامري إلى ما أورده أرسطو في كتابه « البرهان » ، والفارابي في كتابه « الألفاظ المستعملة في المنطق » ، تحقيق د . محسن مهدي ، دار المشرق ، المطبعة الكاثوليكية ، بيروت ، ط 1 ، 1968 ، ص 102 بخاصة ، وما بعدها أيضا . وانظر أيضا : أبو نصر الفارابي : كتاب الحروف ، تحقيق د . محسن مهدي ، دار المشرق ، المطبعة الكاثوليكية بيروت ، 1970 ، ص 150 - 152 .