والنار قد تعقد البيض ، وتذوّب الشمعة ، وتحجّر الطينة ، وتكلّس الصخرة ، وليست هي بذات شيء من هذه المعاني . فالتأثير إذا لن يقع منها الا بحسب مناسبة توجد بينها وبين القوابل لآثارها . وقد تختلف أحوال القوابل بالإضافة إلى الفواعل ، تارة بما يعرض لها من المسامتة والميلان ، وتارة بما يعرض لها من المشاركة والانفراد ، وتارة بما يعرض لها من القرب والبعد ، وتارة بما يعرض لها من سرعة التحرك وبطئه .
قالوا : فالخوالف الطبيعية متى روعيت أحوالها بحسب النسبة إلى المعاني الأربعة التي هي من علائق القوة الفاعلة ، وبحسب النسبة إلى الأحوال الأربعة التي هي من علائق القوة المنفعلة ، ثم صودفت متسقة على نهج واحد ، وجدت كلّها إما متشاكلة في صورها وإما غير متباعدة عن التشاكل . وهذا الصنف من التشاكل الحقيقي هو الذي يوصف بالامكان الطبيعي وقد أحببنا تقريره .
القول في الامكان التقلّبي :
إنّ الكمال المطلق ، الذي يتعالى / عن النقص رأسا ، هو من صفات الأحد الحقّ ، جلّ ربنا وتعالى . وأما موجودات العالم فليس ولا شيء منها إلا وضرب من الضعف مستول على طباعه . ثم هي في درجات النقص مفتنّة إلى مراتب أربع :
أحدها درجة من هو قريب من إصابة الكمال ، فهو يناله بالعمل السهل ؛ نحو الحال في الجبلّة الملكية . والثانية درجة من هو بعيد عن إصابة الكمال ، الا أنه ليس بغنيّ عنه ، ولا بذي يأس عن بلوغه ؛ نحو الحال في جبلّة الآدميين . والثالثة درجة من هو في البعد عن إصابة الكمال على محلّ ليس يعرفه ، ولا يطمع في نيله ؛ غير أنه متى تعوهد بالعناية ترقى إلى حالة هي أكمل لطباعه ، نحو الحال في الفرس إذا بولغ في رياضته . والرابعة درجة من هو من فرط البعد عن الكمال بحيث إن يتوهم منه حالة ، فبلغها وارتقى إليها ، كان ذلك أكمل له ؛ إلا أنه متى استحفظ بحسن التعهد سلم من الانتكاس إلى حالة هي أردأ منها ، نحو الحال في الثمر والحبوب .
وإذ تحقق هذا ، فمن الواجب أن نعلم ، أيضا ، أن الأفعال الطبيعية في العنصر الواحد متى وجدت مختلفة فان سبب اختلافها ربما كان تباين القوى المقتضية لها ؛ وربما كان تفاوت القوة الواحدة في مقدارها . فأما اختلافها بحسب تباين القوى فكما نقول إن الطبيعة متى عملت في المزاج بالحرارة والرطوبة أحدثت لحما ؛ ومتى