تحركه الا بإرادة المبدع له . فالمطلوب الأوّل لنفسه إذا هو دوام الفعل في طاعة من له الخلق والأمر .
ثم الفعل الحادث منه في العالم السفلي يفتنّ إلى أصناف ثلاثة : أحدها بحسب التكوين والافساد ، كالحبوب ، والثمار ، وبالجملة أصناف الحيوانات ، وأنواع النبات . والثاني بحسب التنمية والتنقيص ، إما في مدة قصيرة وإما في مدة طويلة . والثالث بحسب الا حالة والتغيير « 26 » ، نحو تقلب الأشياء في ألوانها أو طعومها أو روائحها ؛ إما بوساطة تغايير الأهوية في حرّها وبردها ، وإما لا بوساطتها .
فإذا الفاعل على الاطلاق هو ذات الأحد الحقّ ، عزّ اسمه .
ثم الجرم الأثيري موافق الأوّليّ بالتصرف بهذه الأحوال . وليس يشكّ أن هذا القول منه موافق لما قال - عزّ اسمه - في محكم كتابه : « وأوحى في كلّ سماء أمرها » « 27 » . وقال أيضا في موضع آخر : « والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره « 28 » . فسبحان من فطر العالم العلوي ، على عظم مقداره وكمال تخطيطه ، مشتاقا بجبلّته نحو الخير المطلق ؛ وملهما من طباعه الفعل الأنيق ؛ وصيّره من الاتقان البليغ والإحكام الرفيع / على درجة ليس يعرض له شيء من الشواغل عما يسّر له من خاص فعله ، حسب ما يعرض للنفوس البشرية ؛ وجعل العالم السفلي عنصرا موضوعا مستعدا لقبول آثاره المتقنة على تمامها . وهذه مقدمة أحببنا تقريرها أمام غرضنا من القول . واللّه تعالى وليّ الصنع .
ثم رجع بنا الكلام إلى إتمام ما سبق به الوعد ، فنقول : إنّ الحكماء لمّا تتبعوا الأحداث المتجددة في العالم السفلي فوجدوها كلّها منحصرة في أقسام أربعة - أحدها المعاني الطبيعية كالحرث والنسل ، وانقلاب الأهوية ، وغيرها من الكوائن الزمانية ؛
هامش
( 26 ) ذكر أرسطو في « كتاب المقولات » أن « أنواع الحركة ستة ؛ : التكوّن ، والفساد ، والنمو ، والنقص ، والاستحالة ، والتغير بالمكان » . أرسطوطاليس : المنطق ، ج 1 ، ص 51 .
( 27 ) سورة « فصّلت » ، الآية « 12 » .
( 28 ) سورة « الأعراف » ، الآية « 54 » .