والثاني المعاني الفكرية كالتدبير للكدخذائية « 29 » والتعبد لخالق البريّة ، وغيره مما يحتاج فيه إلى الرأي والمشورة ؛ والثالث المعاني المهنية كالحرف المألوفة ، والصناعات المعلومة ، وما جانسها مما يحتاج فيه إلى المران والدربة ؛ والرابع المعاني الاتفاقية كإصابة الكنز وغزارة النزل « 30 » ، ونفاق السوق ، وأضدادها من المعاني المعدودة من جودة البخت ورداءته - قالوا بعد ذلك : إنّ كلّ من ادعى أن المعاني الطبيعية منها ليس يتعلق حدوثها بتأثير الأفلاك والكواكب فقد استعمل ضربا من الوقاحة أو تمادى في صنف من الجهالة ؛ فإنّ تفاوت أحوالها بحسب تفاوت أحوال فصول السنة دال بالصدق على تعلقها به . وكلّ من ادعى أن المعاني الفكرية منها ليس يتأتى حصولها ، ولا لأحد من الناس ؛ إلا بالتأثير الفلكي ، فقد ارتكب فيه نوعا من المكابرة ، فان النفس مستعلية على الطبيعة ، وسلطانها أنفذ من سلطان الطبيعة .
غير أن هذا ليس على الاطلاق ، فان إحداهما مرتبطة بالأخرى ؛ وسنتبع تبيانه في القول الذي يتلوه .
فأما المعاني المهنية / فقد يوجد منها ما لن يستغنى في تنميته عن المعونة الفلكية كالفلاحة والطب ؛ وقد يوجد منها ما يستغنى في تأديته عن تأثيرها كالوراقة والزّمر .
وهذا أيضا ليس على مطلقه فان مبدأه شيئان : أحدهما الاستعداد الطبيعي الذي بحسبه يصير الانسان جيد الوراقة وسهلها ؛ وقد جعله صاحب المنطق نوعا ثانيا من الكيفية . والآخر تبدل العزيمة بحسب هيجان الشوق ؛ وقد جعله صاحب المنطق نوعا ثالثا من الكيفية « 31 » . وكلاهما يتعلقان بتأثيرها وسيرد ذكره على الأثر .
وأما المعاني الاتفاقية ، فإن كان الانسان فلكيا ، فانّ اتصالها به لن يكون الا بحسب الابداع الإلهي ؛ ويكون اللّه قد زادها من علائق الاخلاص والعبودية ،
هامش
( 29 ) « الكدخذاه : هو الكوكب المبتزّ على الهيلاج [ أحد الهيلاج الخمسة وهي الشمس ، والقمر ، والطالع ، وسهم السعادة ، وجزء الاجتماع أو الاستقبال ؛ وهي أدلة العمر ، وذلك أنها تسير إلى السعود والنحوس ] ، وهو الذي يدل على كمية العمر بسنين موضوعة لكلّ كوكب : كبرى ، ووسطى ، وصغرى . . . « وكدخذاه » هو الزوج ومعناه « ربّ البيت » ، لأن « كده » هو البيت ، و « خذاه » هو الربّ . « ويسمى هذان الدليلان بذلك لأن بامتزاجهما وازدواجهما يستدل على كمية العمر » . الخوارزمي ( أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن يوسف ) ، مفاتيح العلوم ، تحقيق .G , Van Vloten. نشرE . J . Brillص 230 - 231 . وسيشار لهذا المصدر فيما بعد هكذا : الخوارزمي : مفاتيح العلوم .
ويقول أبو نصر العتبي : « الكدخذائية لفظة فارسية معناها الوكالة » . ( المنّيني : الفتح الوهبي ، ج 1 ، ص 128 ) .
( 30 ) وردت الكلمة في المخطوط مشكولة « النزل » ، وهو ما هيّئ للضيف ؛ وريع ما يزرع ؛ والعطاء والفضل . أما « النزل » فهو المطر ، وهذا أليق بمراد المؤلف .
( 31 ) كرر الناسخ بعد هذا الموضع عبارة : « والآخر تبدل العزيمة » . وإشارة المؤلف هي إلى منطق أرسطو . انظر أرسطوطاليس : المنطق ، ج 1 ، ص 30 - 31 وما بعدها .