تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل أبو الحسن العامري — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
اتفق الحكماء أيضا ، في حدوث النسمة البشرية ، على أن البزر « 25 » الواقع في الرحم نازل منزلة شخص العنصر ، طمثا كان أو منيا ؛ وأن القوة المسخرة لتدريجه إلى تتمة الأعضاء ، أعني الطبيعية ، تنزل منزلة الفاعل ؛ وأنّ حصول كلّ عضو منه على الهيئة الصالحة لتأدية الفعل المختص به تنزل منزلة الصورة وأنّ الأخلاق النفسانية التي بها يصفو له الحمد الأبدي تنزل منزلة الغرض . وإذ تقرر هذا من قضايا الحكماء فمن الواجب أن نعود إلى ما هو غرضنا من القول وأن نقدم فيه مقدمة تكون توطئة لما نرومه منه ، فنقول : لسنا نشك أن كلّ جوهر كان في قوامه مفتقرا إلى قوام ذات الجوهر الآخر ، ثم كان ذاك الآخر عنه غير مفتقر في قوامه اليه ، فإنّ الآخر يكون أشرف منه . وكلّ جوهر وجد بالطبع طائعا للجوهر الآخر قابلا للأثر منه ، ثم وجد ذلك الآخر غير طائع له ولا بقابل للأثر من قواه ، فان الآخر يكون أشرف منه . وكلّ جوهر كان التدبير الإلهي واصلا اليه بوساطة الجوهر الآخر ، ثم كان ذلك الآخر بحيث يصل اليه التدبير الإلهي لا بواسطة هذه ، فان الآخر يكون أشرف منه . وإذ عرف جهات التقدمة الشرفية ، ثم وجد الجسم الأثيرى ، بالإضافة إلى الجسم العنصري ، حائزا لجهات الشرف كلّها ، وليس يشك أن أشرف الجواهر يكون لا محالة مختصا بأشرف الصور ، وخصوصا إذا كان معدا لأشرف الأفعال ، فمن المستبعد إذا أن يقال إنّ أشرف الصور ، أعني الصورة النفسانية ، قد يليق بها أن تجعل كمالا لواحد من الأجسام المشروفة ، أعني النسمة البشرية ؛ ولا يليق بها أن تجعل كمالا للأجرام الشريفة . وكيف يتوهم هذا مع يقيننا بأنه ليس أية مادة اتفقت تكون صالحة لأية صورة اتفقت ؛ لكنّ بين المواد المختلفة والصور المختلفة / مناسبات ذاتية ، وأنّ نسبة المواد الشريفة إلى الصور الشريفة تكون مضاهية لنسبة المواد الوضيعة إلى الصور الوضيعة . وكلّ معنى لاق بالشيء ، فكان إيجاده أشرف من لا إيجاده ، فان الجواد الحقّ لا يبخل به . وقد قال صاحب المنطق إن الجرم السماوي ، بالإضافة إلى الأجرام الأخر ، بمنزلة الرئيس الذي لا رداءة فيه ؛ ولن يقوى عليه شيء من مرءوسيه فإنه جسد لنفس يناله النور الإلهي وإنه مع دوام الحركة مختص بمكان واحد . وقد أحب الديمومة لفعله ، والمحرّك لذاته ؛ لكن ليس
هامش
( 25 ) ص : البذر .
رسائل أبو الحسن العامري — صفحة 266 | أبو الحسن العامري