إنّ الإلهيين من الحكماء نجدهم مطبقين على جزم القضية بأن الغرض الأوّلي في التقدير الإلهي لايجاد العالم متّجه إلى المعاني الثلاثة ، وهي : إفاضة الجود التام ، وإبراز القدرة التامة ، وإظهار الحكمة التامة ؛ وأن الفعل المختص بهذا التقدير يفتنّ إلى أقسام ثلاثة ، وهي : إيجاد العالم ، واستبقاء العالم ، وتصريف العالم . فأما إيجاده فذو شعبتين : إحداهما « 17 » الأجرام الأثيرية ، أعني الأفلاك ، والكواكب ؛ والأخرى الأجرام العنصرية ، أعني الأسطقسات الأربعة . وأما استبقاؤه فمؤيد بقوتين :
إحداهما القوة الطبيعية ، والأخرى القوة النفسانية . وأما تصريفه فمتصل بمعنيين / ، أحدهما التفعيل ، والآخر « 18 » الانفعال . ثم المقدرات الصادرة عن الجرمين بالقوتين من المعنيين ، توجد بأسرها مفتنّة إلى تغايير أربعة : أحدها التغير الجوهري أعني الكون والفساد ؛ والثاني التغير الكمّي أعني الربو والاضمحلال ؛ والثالث التغير الكيفي أعني الاستحالة « 19 » . والرابع التغيّر الأيني أعني النقلة .
فأما التغيّر الجوهري والتغير الكمي فإنهما يقتضيان ، من الضرورة ، انقسام الأزمنة . وأعني بهذا أن مدة الشيء في تكوّنه متى كانت طويلة ، نحو الحال في الأشجار القوية ، فانّ مدّته في فساده تكون أيضا طويلة . ولن يجوز اجتماع الحالين في المدة المعينة . ومتى كانت قصيرة ، نحو الحال في البقول الضعيفة ، فإنّ مدة فساده تكون أيضا قصيرة . ولن يجوز اجتماع الحالين في المدة المعينة ؛ وبمثله الحال في التغير الكمّي .
فأما التغيّر الكيفي والتغيّر الأيني فإنهما لا يقتضيان انقسام الأزمنة ؛ ويجوز اجتماع المتقابلين منهما على التعاقب في المدة المعينة . ثم المعاني الحادثة عن التغايير الأربعة تفتنّ كلّها إلى أصناف أربعة . وهي الطبيعية الحدوث كالحيوان والنبات ؛ والفكرية الحدوث كالاعتقادية والتدبيرية ؛ والمهنية الحدوث كالنجارة والحدادة ؛
هامش
( 17 ) ص : أحدهما .
( 18 ) ص : والأخرى .
( 19 ) يقول الآمدي : « أما الاستحالة فعبارة عن استبدال حال الشيء ، إما في ذاته ، أو صفة من صفاته ، لا دفعة واحدة بل يسيرا يسيرا » ص 93 . و « أما الكون فعبارة عن خروج شيء من العدم إلى الوجود دفعة واحدة ، في طرف زمان ، لا يسيرا يسيرا . وأما الفساد فعبارة عن خروج شيء من الوجود إلى العدم دفعة واحدة ، لا يسيرا يسيرا » .
ص 93 . « وأما النمو فعبارة عن زيادة أقطار الجسم لما يرد عليه من الغذاء أو يستحيل سببها بها » . الآمدي :
كتاب المبين ، ص 44 .