للغرض الذي لأجله خلقت الشمس ، ولا شيء أصلح من الفلك للغرض الذي لأجله خلق الفلك ، وكذلك الحال في النار ، والماء ، والأرض ، والهواء .
وأما التي لا دوام لها إلا بالنوع ، فإن كلّ واحد من أشخاصها ، وإن كان صالحا لغرض من الأغراض ، فقد يتوهّم ، لخاص غرضه ، أيضا شيء أصلح منه .
فقد علم أن الباري - جلّ جلاله - أوجد الكليات الثابتة على هيئة لا يتوهم أصلح منها لخاص أغراضها ، فدلّ به على إفاضته لتمام جوده . ثم أوجد الجزئيات السائرة على هيئة قد يتوهم كلّ واحد منها أصلح للغرض من ذانه ، فدلّ به على أن قدرته غير متناهية . فإذا القائلون « بالأصلح والصلاح » ، جميعا ، قد شارفوا الحق بجهة من الجهات ، ولم يهجموا على نصه / وحقيقته . واللّه تعالى الموفق للصواب .
فقد أتيت لك - أدام اللّه تأييدك - بجمل ما وعدتك من الأبحاث في الأفعال الاختيارية ، واقتصرت من ذكرها على الظواهر من المآخذ دون ما يغمض القول فيه ، ويدقّ . وحاجتي اليه ، وإلى سائر من وقع هذا الكتاب اليه ، أن يتأملوه بعين النصح لنا ؛ وإن عثرتم منه على موقع سهو ، فأمكنكم تصحيحه ، قضيتم فيه حق أخيكم المسلم ، فإنّ العقول مشتركة ، والنقص البشري مستول على كلّ انسان ؛ وأن لا تسوغوا لأنفسكم اعتناق « 64 » شيء إلا بعد أن تصدق الرّويّة فيه ، فان مذاهب هذه الصناعة - على العقل الصريح والحق - أولى بالصداقة من كلّ صديق ؛ وأن تعلموا أن اعتقادنا اليوم فيما أتينا به من هذه الأبواب هو كما ذكرنا وأومأنا إليه على سبيل الاجمال ، وأنّ ذلك كلّه ، إن كان موافقا للحق ، فهو منّة من اللّه تعالى علينا ، ورحمة لنا ؛ وإن كان مخالفا له فرأينا فيه فسل ، رذل ، مطرح ، هجين .
وأعوذ بالله أن يجعلنا ممن « زين له سوء عمله فرآه حسنا « 65 » » . وبه نعتصم ، وعليه نتوكل ، وهو لعباده خير نصير .
والحمد للّه وحده ، وصلاته على سيدنا ، النبي محمد المصطفى ، وعلى آله الطاهرين ، الأخيار ، الأبرار ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل « 66 » .
هامش
( 64 ) ص : اعتنان .
( 65 ) سورة « فاطر » ، الآية « 8 » .
( 66 ) وردت بعد هذا الموضع عبارة : « صحح وعورض وللّه الحمد على ذلك » .