مقدرة ، وأن يكون الباري - جلّ جلاله - من هذه الجهة لعامّتها فاعلا أوليا ، وأن لا يكون غيره في درجته ليشاركه فيها ، بل لو لم يكن كذلك لبطل نسب الأفعال المختلفة إلى العناصر المختلفة ، ولصارت القوى المنفعلة كلّها عبثا ولغوا . والتالي كذب ، فالمقدم كذب . فالباري - سبحانه - إذا موجدها الأول ، وخالقها المقدّر ، وفاعلها الموّلد ، والغير غير مشارك له في شيء من هذه الجهات ، بل هو مكتسب مخيّر ، وموجد مباشر ، وفاعل ثان . وذلك ما أردنا أن نبينه .
القول في الصلاح والأصلح :
« 62 » إنّ هذا البحث وإن كان بمعزل عن غرضنا من الكتاب ، وكان أهم منه وأبسط ، فإنه مما يتصل به ، بل يستعان بمعرفته على حلّ ما يورد من بعض الشبه فيه .
ولهذا لم نر بأسا في الابعاد القليل / إلى ما هو الحق منه ، حسب ما عملناه في سائر الأبواب ، ليكون التصنيف آتيا على مجامع الايجاب في الأفعال ، فنقول :
إنّ كلّ واحد من لفظي « الصلاح » و « الأصلح » ينبئ عن المعنى الإضافي دون المعنى الذاتي . وأعني به أن الشيء قد يكون صالحا لهذا ، غير صالح لهذا .
وقد يكون الشيئان كلاهما صالحين لهذا ، الا أن أحدهما أصلح له من صاحبه . على أنّ « الأصلح » قد يكون على الاطلاق ، وهو الذي لا يتوهّم شيء آخر أصلح منه للغرض ، وذلك هو النهاية في الصلاح له .
فأما أن يقال : « هذا صالح » ، لا على سبيل الإضافة إلى غرض من الأغراض ؛ و « هذا أصلح من هذا » ، لا بالإضافة إلى شيء من الأشياء ، فهو مما لم نعقله بعد . وما لم نعقله لم نكن محجوجين به .
وإذ تقرر هذا فنقول : « إنّ الموجودات كلّها تنقسم قسمين : ما هي دائمة الوجود إلى انقضاء العالم ، بأشخاصها ، كالشمس ، والقمر ، والأفلاك ، والأسطقسات ؛ ومنها ما هي تدوم إلى قيام الساعة ، لا بالشخص بل بالنوع ، كالحيوان ، والنبات . فكلّ ما كان باقيا بشخصه إلى تناهي العالم فلا يتوهّم للغرض « 63 » المعلق به شي أصلح منه ، أعني أنه لا يتوهّم شيء أصلح من الشمس
هامش
( 62 ) الكلمة في الأصل غير واضحة .
( 63 ) ص : للمغرض .