تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل أبو الحسن العامري — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
القول فيه بما يتلوه من الكلام في خلق الأفعال ، فإنه من عظيم ما ينتفع به أيضا في هذا الباب خاصة .

القول في خلق الأفعال :

إنّا قد قدّمنا القول بأن الفعل في حصول ذاته مفتقر إلى قوتين : أحدهما القوة المحدثة له ، وهي التي عنها يصدر الفعل ؛ والأخرى القوة القابلة له ، وهي التي بها يثبت الفعل . وبيّنّا أن النظر إلى الفعل يتنوع نوعين : أحدهما على طريق اعتباره بذاته ، والآخر على طريق اعتباره بالإضافة إلى غيره . وذكرنا أيضا أن اسم الفعل يعبّر عن معنيين : أحدهما الشوق إلى التمام ، والآخر حصول التمام . وذكرنا أيضا أن الفاعل قد يكون قريبا من فعله ثانيا ، وقد يكون بعيدا أولا . وإذا كانت هذه المعاني كلّها محفوظة ، محققة ، ثم علم أن « الخلق » في اللغة هو التقدير ، فمن الواجب أن ننظر إلى الأفعال الاختيارية ، هل هي لا حقة بتقدير الباري - جلّ جلاله - أم ليست تلحق به ، فنقول : إنّا قد أيقنا أن الوضع الحكميّ أبدا يكون نبعا للكمال ، أعني به أن الحكيم / لا يفعل شيئا باطلا بل يكون إيجاده أبدا لأجل غرض حكميّ ، خاصيّ به ، قد أعدّه له ، وأوجده لأجله . فإذا ما من شيء إلا هو مقدّر لكمال ، قد سمّاه له بسابق علمه ، وخلقه متهيئا لقبول خاص فعل قد أعدّ له ، وهيّئ لقبوله . ومحال أن يتوهم وجود ذلك الفعل في عنصر غير مجانس له ، فقد اتضح أن كلّ واحد منهما مقدّر بحصول الفعل فيه ، وأن حصوله فيه ممتنع إلا بما جبله عليه من القوة القابلة ، فهو إذا لا محالة معلّق بتقدير من له الخلق والأمر . وقد « 61 » أخبرنا أنّ « الخلق » في اللغة هو التقدير بعينه . فإذا تبين هذا فقد عرف أن الأفعال الاختيارية لا يجوز أن يقال مخلوقة من جهة الاعتبارات الإضافية منها ، أعني به من حيث هي عبادة أو معصية ، أو فسق أو تقوى ، أو كفر أو إيمان . ولا يجوز أن يقال إنها مخلوقة من جهة ما هي مزمع عليها بالشوق إلى التمام . ثم لا مانع من أن تكون مخلوقة على سبيل اعتبارها بذاتها ، من حيث هي محصّلة الذات ، من جهة تعلقها بالقوة الانفعالية ، بل من الواجب أن تكون من هذه الجهة مخلوقة
هامش
( 61 ) ص : وقده .
رسائل أبو الحسن العامري — صفحة 236 | أبو الحسن العامري