وحكمته ، وسيّب النظر إلى الجهة الثانية - وهو نزارة العبد ، وضعفه - أدّاه إهماله النظر الثاني إلى اعتقاد التفويض ؛ ومن جرّد النظر للجهة الثانية - وهو نزارة العبد ، وضعفه - وسيّب النظر إلى الجهة الأولى ، وهو وجود الباري جلّ جلاله وحكمته ، أدّاه إهماله النظر الأولى إلى اعتقاد الجبر ؛ ومتى جمع بينهما سلم عن الطرفين معا .
وإذا كان النظران في الظاهر مما يتوهّم فيهما أنهما يتناقضان - إذ لا يجوز أن يكون الشخص الواحد ، في حالة واحدة ، مزاج العلل غير غني - فمن الواجب أن نوضّح معنى يصونه عن هذا الوهم الكاذب ، فنقول : إنّا قد أفردنا القول في الإبانة عن مائية الاستطاعة والعجز ؛ كما أفردنا القول في الإبانة عن مائية التوفيق والخذلان .
فإذا كان القولان جميعا محققين ، ولم تخف جهة الفرقان بينهما ، بل عرف أن أحد النوعين منهما ، وهو الاستطاعة والعجز ، يتعلق بالأسباب الذاتية للفعل ، والآخر منهما ، وهو التوفيق والخذلان ، يتعلق بالأسباب العرضية له ، فمن الواجب أن نعلم أن العاقل متى جرّد نظره للنوع الأول ، وسيّب النظر إلى النوع الآخر ، أدّاه إهماله إياه إلى القول بالتفويض ؛ ومتى جرّد نظره للنوع الآخر ، وسيّب النظر إلى النوع الأول ، أدّاه إهماله إياه إلى القول بالجبر ؛ ومتى جمع بينهما سلم عن الطرفين معا .
وليس في الجمع بينهما جهة التناقض بحمد اللّه تعالى .
والذي يصون العقل عن وهم التناقض فيه ، ويقرّب الفهم من حقيقة التصور له ، / هو « 57 » حال الأخذ بيد من ضعف عن التجرد بالاختيار ، ليقوى بمعونته على المشي بقدمه ، أو حالة المؤيّد لمن ارتبك في الوجل ، لينبعث بمعونته عن الورطة الممسكة له بها ، أو بعجزه عنها . بل لأن طبيعة العجز - من حيث هو عبد بالذات - لم يحتمل قبوله ، ولو احتمل ذلك لا نقلب العبد بالذات ، في تلك الحالة ، لا عبدا ، وهو في تلك الحالة عبد ، فهو إذا يصير عبدا [ و ] ولا عبدا . وهذا عين المحال .
والقدرة « 58 » على المحال محال .
وهذه جمل ما يستعان به على إفادة القول بين القولين ، فكلّ من عرفه فقد علم أن كلّ واحد من أرباب النحلتين قد « 59 » اضطره الحق إلى أن شامه « 60 » وقاربه ، ولم يمكنه الغوص على حقيقة الصواب منه . وإذ عرف ذلك فمن الواجب أن نتمم
هامش
( 57 ) ص : وهو .
( 58 ) ص : والقدرة .
( 59 ) ص : فقد .
( 60 ) شامه : نظر فيه .