العبد إذا بمجبر عليه ؛ وذلك ما أردنا أن نبيّنه / .
ثم نأخذ في التفويض ، فنقول : لو كان العبد مفوضا اليه في أفعاله لأمن « 55 » العوائق الاتفاقية التي ذكرنا كلّها ، ولبطل جهة التوفيق والخذلان رأسا . ولو كان الأمر كذلك لما سمع العقل عذر المعوّق بها ، ولا تشبث « 56 » بالمعاني العرضية ؛ التي عدّدناها ، في امتناع الفعل عليه ، ولما توهم له ضدّ ، مانع ، عرضيّ بعد أن أوتي أسبابه الذاتية ، ولصار أجلّ مراتب العبيد ، أعني السعادة العظمى ، محصّلا له بمجرد السعي البشري ، ولحصل كلّ ما جاد به المولى عليه أنقص مما اقتناه العبد بتصرفه . والتوالي كلّها كذب ، فالمقدم إذا كذب . فليس العبد إذا بمفوض إليه ؛ وذلك ما أردنا أن نبينه .
ثم يرجع القول بنا إلى وصف ما يليق بالمتديّن أن يعتقده ، من المذهب المتوسط بين طرفي الغلو والتقصير ، فنقول : إنّ نظر العقل بالإضافة إلى الأفعال الاختيارية يفتنّ إلى وجهين : أحدهما من حيث أمر بإقامتها ، والآخر من حيث أوتي سببها . فأما النظر الأول فمتعلق بحال المأمور بها في نفسه ، ومعرفة ذاته ، وجوهره وأما النظر الثاني فمتعلق بحال المؤتي لأسبابها ، وهو الباري جلّ جلاله . ومعلوم أن العاقل متى نظر إلى المأمور بها وجده محتاجا إلى إقامتها ، وعرفه مع ذلك عبدا مملوكا ، لا من جهة واحدة بل من الجهات كلّها . ومتى نظر إلى المؤتي لأسبابها وجده مستغنيا عن حصولها ، وعرفه مع ذلك جوادا ، حكيما ، غير موصوف بالبخل ، ولا بالظلم .
ثم نعلم أيضا أن الجواد ، الحكيم ، لا يضنّ بشيء مما عرف العبد محتاجا إليه ، وخصوصا فيما أمره به . ولو ضنّ به لكان إما عاجزا عنه ، وإما بخيلا به ، وجلّ المولى ، وتعالى ، عن أن يوصف بهما . وعلم أيضا أن العبد المملوك لا يجوز أن يكمل بنفسه في إقامة ما يحتاج اليه من فعله ، أو يستغني عن مولاه / بذاته ، ولا في شيء من حالاته ، لأنه لو كمل بنفسه أو استغنى عن مولاه ، لما كان من تلك الجهة مملوكه ، وخصوصا في حالة الغنية عنه . ولو وجد كذلك لكان إما غير مملوك من تلك الجهة ، أو غير مملوك في تلك الحالة . وقد اتضع العبد عن أن يوصف بشيء منه .
فإذا تقرر هذا فنقول : إنّ من جرّد النظر للجهة الأولى وهو جود الباري
هامش
( 55 ) ص : لامنت .
( 56 ) ص : تشنث .