منها الا بنيل المعونة من مولاه عزّ اسمه « 50 » . وليس الخلاف الواقع بين الفريقين بجالب كبير ضرر في الدين ، ولهذا ما لم نشتغل بتأييد الأصوب منهما ، وإنما أفردنا هذا القدر من الذكر ليكون توطئة لما نريد ذكره في الباب الذي يتلوه فإنه تمام الغرض من هذا الكتاب .
القول في الجبر والتفويض :
روي عن سيد علماء التابعين ، جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام ، أنه قال : « لا جبر ولا تفويض » . وروي عن زين الفقهاء أبي حنيفة أنه قال : « أكره الجبر ولا أقول بالقدر ، وأقول قولا بين قولين » . وهذان القولان جميعا مؤدّيان إلى معنى واحد . ويشبه أن يكون أبو حنيفة أخذ عن جعفر عليهما السلام .
ثم إن مذهبيّ الجبر والتفويض كلاهما قد فشيا في الناس واستغنينا بشهرتهما عن الوصف . ولا معنى لإطنابنا القول فيهما بل من الواجب أن نشرح المذهب المتوسط بينهما فإنه كاد أن يندرس أثره ويخفى على الناس حقيقته ، هذا مع قوة الحقّ في نفسه ، ووهي الباطل في ذاته . ولا عجب أن يكون رواج السلعة المغشوشة ، في وقت من الأوقات ، باعثا للخلق على الاستكثار منها ؛ فقد قال الامام الأجلّ ، علي بن أبي طالب عليه السلام : « الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم » .
وقبل أن نخوض في ذلك يجب أن نومئ إلى سقم المذهبين جميعا ، ونأخذ أولا في الجبر فنقول : إنّا لا نشك في أن العقل أعظم حجج اللّه تعالى على خلقه « 51 » ، وأن
هامش
( 50 ) ص : + عليه . يقول التهانوي : إن القضاء عند الفلاسفة « عبارة عن علمه بما ينبغي أن يكون عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام وأكمل الانتظام ؛ وهو المسمى عندهم بالعناية الأزلية التي هي مبدأ لفيضان الموجودات من حيث جملتها على أحسن الوجوه وأكملها . والقدر عبارة عن خروجها إلى الوجود العيني بأسبابها على الوجه الذي تقرر في القضاء . . . قال المحقق الطوسي في « شرح الإشارات » : اعلم أن القضاء عبارة عن وجود جميع الموجودات في العالم العقلي مجتمعة ومجملة على سبيل الابداع . والقدر عبارة عن وجودها الخارجي مفصلة واحدا بعد واحد . وقال في المحاكمات :
أما العناية فهي علم اللّه تعالى بالموجودات على أحسن النظام والترتيب ؛ وعلى ما يجب أن يكون لكلّ موجود من الآلات بحيث تترتب الكمالات المطلوبة منه عليها . والفرق بينها وبين القضاء أن في مفهوم العناية تفصيلا ، إذ هو تعلق العلم بالوجه الأصلح ، والنظام الأكمل ، الأليق ، بخلاف القضاء فإنه العلم بوجود الموجودات جملة » . التهانوي : موسوعة اصطلاحات العلوم الاسلامية ، ج 6 ، ص 1235 .
( 51 ) « استدل الماتريدية على أن العقل حجة في المعارف بقوله تعالى إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا .
والسمع يختصّ بالمسموعات ، والبصر يختصّ بالمبصرات ، والفؤاد بالمعقولات . . فاذن مدار المعارف بالتحقيق على العقل » .
( أبو عذبة : الروضة البهيّة ، ص 38 ) وعندهم « أن معرفة اللّه تعالى واجبة بالعقل بمعنى أن العقل آلة للوجوب لا موجب » .
( ص 36 ) .