أنها كلّها بخلق اللّه تعالى وأمره . و « القضاء » في الحقيقة هو صنع الشيء وإيجاده ، و « القدر » « 46 » في الحقيقة هو تسويته لما هيّئ له . ثم « الخلق » في الحقيقة هو التقدير للشيء والتيسير له . و « الأمر » في الحقيقة هو البعث على الشيء بالدعاء اليه .
فأما الأوّلون فيزعمون أن الكائنة بقضاء اللّه تعالى هي التي تولّى إحداثها ، إما طبعا وإما إبداعا ؛ والكائنة بقدر اللّه تعالى هي التي ساق عناية إليها ، إما بشوق طبيعي [ وإما بمثال الهامي . وأعني بالشوق الطبيعي ] « 47 » مثل انبعاث العاشق إلى المعشوق ، ووثوب الغضبان على المغضوب عليه . وأعني بالمثال الالهامي مثل من شاهد حيوانا دفع عدوّه عنه بالحافر أو بالناب ، فاتخذ له كهيأته للدفع ، أو رأى غارا ، خلقه اللّه في الجبل ، فهو يكنّه عن الريح والمطر ؛ فانبعث إلهامه لاتخاذ مثله بالصنعة .
والموجودات ليس ولا واحد منها بخارج عن هذه الأقسام الأربعة ، فهي إذا بأجمعها محصورة في قضاء اللّه وقدره .
وأما الآخرون فزعموا أن اسم « القضاء » واقع على الابداعيات فقط ؛ واسم « القدر » واقع على المتولّدات منها بالطبع ؛ واسم « الخلق » يعمهما جميعا . فأما الذي يفعله العباد ، فإما أن يفعلوه إعلاما كالعبادات ، وإما أن يفعلوه إلهاما كالصناعات ، واسم « الأمر » يتناولهما جميعا . والفرقتان جميعا تتفقان « 48 » على أن العبد مفتقر في أفعاله كلّها إلى الباري جلّ جلاله ؛ وأنه لا غنية له بذاته عنه ، وليس هو بمستند للأفعال في نفسه ؛ إلا أنهم ليسوا يجعلونه فاعلا قريبا ، فيتوقف الفعل عليه ، وينقطع / عن كافة من سواه ؛ بل يجعلونه الفاعل الأول الذي لا يستقل من دونه شيء « 49 »
هامش
( 46 ) ص : والقدرة .
( 47 ) إضافة في الهامش .
( 48 ) ص : يتفقان .
( 49 ) ص : يشمى .