المسام ؛ ومن انسداد المسام تكابس الأبخرة ؛ ومن تكابسها إفراط الحركة ؛ ثم يتولّد منها الحرارة التي هي مضادة للبرد وفي الطرف الأقصى منه . فإذا كان صدور الأفعال المختلفة عن الفاعل الواحد محصورا في هذه الأنواع الأربعة ؛ ثم علم أن الباري - جلّ جلاله - ليس ذا قوى مختلفة فيصح به الوجه الأول « 22 » ؛ وليس يفعل بالآلات فيصح بها الوجه الثاني ؛ ولم يفعل ابتداء في العناصر المختلفة إذ هو الموجد للعناصر كلّها ، فلم يبق إذا الا الوجه الرابع ، وهو أنه - عزّ اسمه - بتمام قوته الإلهية ، أبدع موجودا كاملا منساقا بذاته إلى توليد غيره عنه ؛ ثم عن ذلك الغير آخر ؛ ثم عن الآخر آخر سواه . وهكذا الحال في جريانه إلى الغاية التي قدّرها للكون والنهاية التي أعدها للتمام ؛ فوصفنا به [ اللّه ] - جلّ جلاله - [ الذي ] هو الفاعل الأوّل للموجودات كلّها ؛ الا أن بعضها أقرب في الوجود اليه من بعض ، وذلك على « 23 » نحو ما أومأنا اليه في القول في أسباب الفعل .
ثم لسنا ندعي أيضا أن المبدع الأوّل في قوامه مكتف بنفسه ، غنيّ عن موجده ، مفيض لما يتولد عنه بنفسه وإتمام ذاته ، بل نقول إنّ ثباته على الدهر معلّق بقوة المبدع له ؛ وإن المثال في تعلق الموجودات به على الترتيب قريب من تعلق الاحساس بالضوء ، وتعلق الضوء بالشمس . أعني أن أحدهما وإن كان متولّدا عن صاحبه ، فوجوده متعلق بثباته ، ثم ثبات الأول على الدوم معلّق بالينبوع الذي استفاض منه . فقد عرف أن من وصفه بأنّه - عزّ وجل - في كلّ لحظة مبدع لكلّ واحد مما يحدث في العالم - لا على سبيل التقدير لوجوده بل على سبيل الاختراع له في الحال - كان متعسفا في صفاته ، بل علم أن كلّ واحد « 24 »
هامش
( 22 ) « عند الامام أبي حنيفة الفعل صرف الممكن من الامكان إلى الوجود ، وهو من اللّه بغير آلة ، ومن العبد بمباشرة آلة .
فالفعل عنده شامل للخلق والكسب » . ( الحسن بن عبد المحسن ( أبو عذبة ) : الروضة البهيّة فيما بين الأشاعرة والماتريدية ، ط 1 ، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية ، حيدرآباد ، الدكن ، الهند ، 1322 ه . ص 28 ) . وسيشار لهذا المصدر فيما بعد هكذا ، أبو عذبة : الروضة البهيّة .
( 23 ) ص : إلى .
( 24 ) واضح أن تركيب الجملة ، والمعنى ، يختلان عند انتقالنا من العبارة الأخيرة في نهاية الصفحة الحادية عشرة إلى العبارة الأولى في الصفحة الثانية عشرة ، مما يدل على أن بعض الأوراق في المخطوط الأصلي قد فقدت .