تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل أبو الحسن العامري — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
وأما الأسباب الاتفاقية فليست بمحصورة في عددها ، ولا بمتناهية في مقدارها ؛ ولذلك ليس يمكن ضبطها ، ولا الإحاطة بها ؛ ولا أيضا يجوز للعاقل أن يعوّل / عليها أو يستند إليها ، فان حدوث كلّ واحد مما يعرض منها يكون على الشذوذ [ و ] الندرة ؛ وليس يعرف شأنها ، وسبب وقوعها ، وجهة حدوثها ، على الحقيقة والاطلاق ، الا عالم الخفيّات . وهو كمن قصد لحفر بئر فهجم على دفينة كنز فاستخرجه واستغنى ؛ أو قصد لدخول الحمام فعثر على غريم له كان في طلبه ، فاستوفى دينه منه . وبمثله العوائق عن الفعل ، قد تكون عدم أحد تلك الأسباب الذاتية الأربعة ؛ وقد تكون أيضا لآفات اتفاقية عارضة ؛ كالذي قصد المسجد الجامع فانصب عليه من مشغب « 20 » فوقه غسالة « 21 » الأذى ، فلوّث ثيابه ، فانتقض عزمه ؛ أو قصد أن يشهد صلاة العيد فصدمته في طريقه دابة ، فوثأت « 22 » رجله ، فانصرف عن وجهه .

القول في حدوث الأفعال المختلفة عن الفاعل الواحد :

إنّ الفاعل الواحد قد يجوز أن تصدر عنه الأفعال المختلفة ، وذلك يكون على إحدى جهات أربع : إحداها على سبيل الاستعانة بقوى في ذاته مختلفة ؛ والثانية على سبيل الاستعانة بآلات مختلفة ؛ والثالثة على سبيل التأثير في عناصر مختلفة ؛ والرابعة على سبيل توليد البعض عن البعض . فأما الاستعانة بقوى مختلفة ، [ ف ] كالرّجل يفعل بالقوة الشهوانية خاصية الاجتذاب للنافع ؛ وبالقوة الغضبية خاصية الدفع للضار ؛ وبالقوة النطقية خاصية التمييز بين ما هو نافع فيجتلب أو ضار فيدفع . وأما الاستعانة بالآلات المختلفة ، فكالنجار الذي يضرب بالفأس فتشقّ ، وبالقدوم فيقطع ، وبالمدقة فيرص ؛ فتصدر عنه الأفاعيل المتباينة لاستعانته بآلات مختلفة . وأما التأثير في عناصر مختلفة ، [ ف ] كالنار الموقدة التي أثّرت في البيض ففعلت فيه العقد ؛ وأثّرت في الشمعة ففعلت فيها الإذابة ؛ وأثّرت في الطين فحجّرته ؛ / وأثّرت في الحجر فكلّسته ؛ فصارت محدثة للأفعال المختلفة لاختلاف العناصر . وأما على سبيل توليد البعض عن البعض ، فكالبرد الذي يحدث في البشرة قبضا ؛ فيحدث من انقباضها انسداد
هامش
( 20 ) مشغب : مشاغب .
( 21 ) الغسالة : الماء الذي غسل به .
( 22 ) أي ألحقت بعظم رجله وهنا ووصما لا يبلغ أن يكون كسرا . ( لسان العرب ، مادة « وثأ » ) .