الهندسة ؛ والبرودة التي في الثلج محدثة لغليان الماء .
وإذ تقرر هذا فقد عرف أن الفعل يمتنع حدوثه لمعان ثلاثة : أحدها عدم الفاعل ، والآخر عدم العنصر ، والثالث عدمهما جميعا . أما لعدم الفاعل ، فكما أنّا نقول : « لم ليس يكتب الحمار ؟ » ، فيقال : « لأنه لا نطق له » . وأما لعدم العنصر ، فكما أنّا نقول : « لم ليس يتخذ من الحديد فرو ؟ » ، فيقال : « لأن هذا العنصر غير صالح له » . وأما لأجلهما جميعا ، فكما أنّا نقول : « لم ليس يتّخذ الانسان ملكا من الصوف ؟ » ، فيقال : « لأن الانسان عاجز عن اتخاذ الملائكة ، ولأن عنصر الصوف غير صالح لقبول هذا الفعل » . ثم إنّ القوة الفعّالة قد تشارك القوى الكثيرة من جنسها ، فيصير مجموعها كأنها قوة واحدة ؛ مثل جماعة ينقلون خشبا كثيرا ، لا يكمل كلّ واحد منهم لنقله / على الانفراد . والقوة المنفعلة قد تشارك القوى الكثيرة من جنسها ، فيصير مجموعها كأنها قوة واحدة ، مثل النشاء ، والسمن ، والسكر ، القابلة باتحادها وامتزاجها لصورة الفالوذج . وقد تكون القوة الفاعلة ناقصة فتتمّمها صناعة أخرى متقدمة لها .
القول في التفرقة بين المعاني الذاتية وبين المعاني العرضية :
إنّ الفعل قد تكون له أسباب ذاتية يكون تعلّقه بها تعلقا ضروريا ؛ وقد تكون له أسباب اتفاقية يكون تعلّقه بها تعلقا عرضيا . فأما الأسباب الذاتية فهي محصورة العدد ، ومبلغها كلّها أربعة فقط . أحدها العنصر وهو كالخشب لاتخاذ الباب . والثاني الفاعل وهو النجار في اتخاذ الباب . والثالث الصورة وهي كهيئة الباب وتخطيطه .
والرابع التمام وهو كالغرض المطلوب منه . وقد يتوهم أن الزمان أيضا من الأسباب الضرورية إذ الفعل لا يوجد دونه ، وذلك غلط ، فانّ تعلق الفعل بالزمان يكون أبدا لنقصان قوة الفاعل ؛ ولو أنه وجد من الكمال في النهاية لأوجد فعله دفعة ، ولاستغنى في إحداثه عن اللبث عليه في المدة ؛ ولصار إيجاده أسرع من الزمان ، نحو ما نشاهده من إدراك الفكر للموهومات ، وإدراك البصر للمبصرات . والدليل عليه أن من كان أوفى قوة كان فعله أغنى عن طول المدة ؛ ومتى تضاعفت قوته في الزيادة تناصف زمان فعله في القلّة . فلو توهّمت قوة غير متناهية لما حصل الفعل الصادر عنها في شيء من المدة ، بل حصل أسرع من المدة . وبمثله قد يتوهم أن الآلة من الأسباب الضرورية وليس [ الأمر ] كذلك ، بل هو جائز لنقص الفاعل بما هو فاعل .