ثم كلّ واحد من أسباب الفعل قد يكون سببا بالقوة ، و [ قد ] يكون سببا بالفعل . وأعني بالقوة أي قوي على إيجاده ، وأعني بالفعل أي قد وجد به ، وتمّ . مثاله أن النجار قبل تعاطيه لفعل النجر للكرسي هو فاعل بالقوة ، أي قادر على إيجاده .
والخشب الموضوع له أيضا هو عنصر بالقوة ، أي متهيئ لقبوله ؛ حتى إذا باشر فعله ، وعالج إتمامه ، صار النجار فاعلا بالفعل ، والخشب كرسيا بالفعل . ومتى وقع عليه فعل الجلوس وجودا فقد صار الغرض أيضا محصّلا بالفعل ، خارجا من القوة .
فقد علم أن أسباب الفعل قد تكون متّحدة به ، و [ قد ] تكون مباينة له ؛ وقد تكون عرضية فيه ، و [ قد ] تكون ذاتية له ؛ وقد تكون منه قريبة و [ قد ] تكون عنه بعيدة ؛ وقد تكون بالقوة ، وقد تكون بالفعل ؛ وقد ينتسب الفعل إلى كلّ واحد من الأسباب بنسبة على حدة ، لا يشاركه فيها صاحبه .
القول في جهات الفعل :
إنّ النظر إلى الشيء ، للإحاطة بمعانيه ، ينقسم قسمين : أحدهما على طريق اعتباره بذاته ، والآخر على طريق اعتباره بالإضافة إلى غيره . ومثاله أن شخص عبد اللّه متى نظر اليه / ، من حيث هو انسان أو حيوان أو جسم أو جوهر ، كانت المعرفة به محصّلة على طريق اعتباره بذاته . فأما إذا نظر اليه ، من حيث هو ابن أو أخ أو جار أو عبد أو شريك أو صديق ، كانت المعرفة به محصّلة على طريق اعتباره بالإضافة إلى غيره . وإذا عرف هذا فمن الواجب أن نصرف القول إلى الأفعال ، ونستشهد فيه بمثال جزئي من [ كلّ ] فعل على حدة ، وهو كفعل الصلاة مثلا ، فنقول :
إنه متى اعتبر على طريق أنه فعل أو على طريق أنه حركات مختلفة ، ذات ترتيب ونظام ، أو على طريق أنه صادر عن القوة الذكريّة ، أو على طريق أنّه عرض « 13 » لا يقوم بنفسه ، كانت هذه كلّها جهات مختلفة ، وهي مع ذلك تشترك في أنها اعتبارات ذاتية . فأما إذا نظر اليه من طريق أنه طاعة أو معصية ، أو عبادة أو فسوق ، أو إيمان أو كفر ، أو جائز أو فاسد ، كانت تلك الاعتبارات كلّها لا حقة بالنظر الإضافي . وهكذا حال أخذ المال من الغير ، وحال تعاطي فعل الجماع .
هامش
( 13 ) ص : غرض .