الأخر كلّها ، وهو في الحقيقة أجلّ وأعلى منها بل اليه يرتقي كلّ ما سواها . وليس الكلام في شرح هذا الفعل ، ولا الإبانة عن مائيّته ، ووصف صورته على التحقيق بلائق بالموضع الذي نحن آخذون فيه ، بل الكلام في بابه محتاج إلى بحث آخر ، على حدته ، أشرف وألطف منه .
القول في أسباب الفعل :
إن أسباب الفعل تنقسم قسمين : أحدهما المتّحد بذات الفعل ، وهو الهيولى القابل له ، كالخشب لفعل النجار ، والذهب لفعل الصائغ . والثاني المباين له ، وهو يتنوع نوعين : أحدهما المتقدم الوجود وهو الفاعل الموجد لذاته ، والثاني المتأخر الوجود وهو الغرض المطلوب من حصوله . ثم كلّ واحد من هذه الثلاثة يفتنّ إلى قسمين : قريب وبعيد . فأما الفاعل القريب فهذا النجار الذي تولى بنفسه نحت هذا الخشب ونشره ، فاتّخذ منه هذا الكرسي المشار إليه . وأما الفاعل البعيد فالأستاذ الذي مثّله له ، وحمله عليه ، فأزاح علله في الآلة ، وعضّده « 9 » ، وصار مطلا عليه إلى أن فرغ من تمامه . والسبب البعيد يسمى فاعلا أولا ، والسبب القريب يسمى فاعلا ثانيا . وأما الغرض القريب فكالصحة التي قصد الطبيب نحوها من فعل المعالجة .
وأما الغرض البعيد فكالبقاء المطلوب من الصحة ليتوصل به إلى اكتساب الفضائل .
فأما الهيولى القريبة فكالخشب للنجار ، والذهب للصائغ . وأما الهيولى / البعيدة فكالأسطقسات الأربعة التي بامتزاجها يكون الخشب .
وقد يتوهّم أن الآلة المعدّة هي أيضا أحد أسبابها ، وذلك غلط ، فان الآلة لم يحتج إليها لإمكان « 10 » الفعل نفسه بل قد احتيج إليها « 11 » لاتمام ذات الفاعل . ولو أن الفاعل بجوهره وجد تام الذات ، كاملا ، لانشاء الفعل ، لما استعان بالآلة ، ولا اشتغل باتخاذها . فهي إذا بمنزلة الزمان الذي مست الحاجة اليه لبقاء الفاعل إلى أن يتمم فعله أو لبقاء الفاعل بعد حصول ذاته . فأما أن يكون نفس الفعل ، لخاصيّته ، مقتضيا للآلة أو الزمان ، أو مقتضيا الآلة أو الزمان حسب ما اقتضى الفاعل والغرض ؛ أو اقتضى هو نفسه ثبات العنصر وحصوله ، فكلا . الزمان والآلة إذا ليسا بذاتيين للفعل ، بل يلحقانه على سبيل الطروء « 12 » والعروض .
هامش
( 9 ) ص : وعتضده .
( 10 ) ص : لمكان .
( 11 ) ص : اليه .
( 12 ) ص : الطريان .