تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل أبو الحسن العامري — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
الباعث على هذا النوع من الأفعال ليس هو ذات محصّل ، ولا طبيعة مسخرة ، بل لم يدعه اليه الا ما تحققه عقلا من اكتساب رضا الرب ، تعالى جدّه ، وتأدية شكر نعمه ، ما دامت حالته تلك . وأما الفعل الشوقيّ فهو ما يكون الباعث عليه المعنى المحسوس ، ويكون صاحبه أيضا متمكنا منه من أوله إلى آخره ؛ نحو حركة العاشق إلى معشوقه ، ومضي الجائع إلى طعامه ، وما شاكلهما ؛ فانّ الباعث على هذا النوع من الأفعال ليس هو من الموجب بالعقل ، ولا المدرك بالفهم ، بل لم يدعه إليه الا الذات المحصّل الذي أحسّه « 5 » ووقف المشاهدة عليه . ثم هو أيضا قادر على الكفّ عنه أو المضي عليه ، في كلّ جزء من أجزائه ، ما دام ثابتا على حاله . وأما الفعل الطبيعي فهو ما يكون الباعث عليه قوة ذاتية قد وضعها الباري - جلّ جلاله - في الفاعل ، وعلّق قوامه بوجود ما فيه ، وصيّره بخاصيتها مسخرا للتحرك إلى تمام قد أعدّ له ، وفرض لبلوغه ، والوقوف عند [ ه ] ، الا أن يعوقه بالقهر عائق من خارج ، أتمّ قوة منه ، نحو القوة التي بها تتحرك النار إلى العلو ، أعني الخفة ، وبها يتحرك الحجر إلى السفل ، أعني الثقل . وأما الفعل القهريّ فهو ما يكون الباعث عليه في مفتتحه قوة من خارج ، إما الطبيعية ، وإما الشوقية ، وإما الفكرية ، فتقلب طبيعته الذاتية ، وتحيلها عن سنّتها « 6 » ، ثم يتعلق قوامه وثباته بقوة أخرى / في نفس المفعول به ؛ فهو ينساق لوجهته إلى أن ينصرم أثر القوة الغالبة عليه فيعود إلى طبعه ؛ كرمي النشّاب قدما أو رمي الحجر صعيدا « 7 » . وقد يقال إن الفعل الطبيعي فعل جسمانيّ ، والفعل القهري فعل نباتيّ ، والفعل الشوقي فعل حيوانيّ ، والفعل الفكري فعل انسانيّ ، الا أن لنا فيه موضع نظر بعيد . ثم هاهنا فعل خامس وهو الابداعيّ ، أعني الصادر عن الأول الحقّ ، لا من شيء ، ولا في شيء ، ولا عن « 8 » شيء ؛ متقدم بالذات لأنواع الأفعال
هامش
( 5 ) ص : أحسّته ووقفت .
( 6 ) السنّة : السيرة ، والطريقة ، والطبيعة .
( 7 ) صعيدا : جمع صعد أي العلو .
( 8 ) ص : على . ويقول الكندي في هذا الصدد : « إن العقل الحقيّ الأول تأييس الأيسات عن ليس . . . وهذا الفعل هو المخصوص بالابداع » . رسالة الكندي « في الفاعل الحق الأول التام والفاعل الناقص الذي هو بالمجاز » ، في رسائل الكندي الفلسفية ، ج 1 ، تحقيق د . محمد عبد الهادي أبو ريدة ، دار الفكر العربي ، مطبعة الاعتماد ، القاهرة ، 1950 ، ص 182 - 183 . وسيشار لهذا المصدر فيما بعد هكذا : رسائل الكندي الفلسفية .