الجاهلية ، وأن نعرف الحق بنفسه ، لنتوصل به إلى معرفة حزبه ، وأن يكون استرواحنا إلى قوته وروحه ، وانتعاشنا لمعونته ونوره ، أشدّ وأبلغ منه بقوة العوام الجهلة أو زحمة الطّغام « 2 » السفلة . وأنا لما علمته من دراستك الكتب المصنفة في هذا الباب ، واستماعك لحجج كل فريق منه ، واعدادك الفهم لتأمل ما يرد عليك منه ، وتجريدك العقل للتفكر فيه ، والتفتيش ، واستغنائك « 3 » بالايماء اليسير عن الاسهاب والتطويل ، أوجبت لك نصب مقدمات عقلية يعتضد بمكانها ، لدفع ما شكوته من ألم الحيرة ، وشرح أوضاع حقيقته ، لتستعين بها على إماطة الشبهة . وجعلت الكتاب منتظما لجمل الأبواب المشتبهة على أكثر المتكلمين في الأفعال ، ووصفت فيها الجوامع التي لا غنية لهم عن معرفتها ، على سبيل الايجاز . ولا أخال مثلك - ممن أوتي من الذهن القوي ، والفهم الذكي ، والعقل الراجح ، والعناية البالغة ما أوتيته ، وسعدت بمكانه - يعجز بعدها عن استيضاح الحق منه أو يقصّر معها دون تصحيح الاعتقاد فيه . واسأل اللّه تعالى العون والكفاية ، وأرغب اليه في النصر والحماية ، وهو حسبي ونعم الوكيل ، ولا قوة لعبيده الا به .
القول في مائية الفعل :
إن الأشياء كلّها في قضية العقل تنقسم ثلاثة أقسام : واجب ، وممكن ، وممتنع .
والفعل لا يجوز أن يكون بذاته من الأشياء الواجبة ، لأنه لو كان كذلك لاستغنى بنفسه / عن اقتضاء الفاعل ، ولما تعلق حصوله بقوة الموجد . ولا يجوز أيضا أن تكون عينه من جملة الممتنعات لأنه لو كان كذلك لاستحال أن يصير محصّل الذات أو يلحق بشيء من الموجودات . وإذ بطل وقوعه بذاته تحت واحد من طرفي الوجوب والامتناع ، لم يبق الا الممكن . فهو إذا واقع تحته ، ولا حق بجملته .
ثم حقيقة الممكن هو أن لا يكون موجودا في الحال . وإذا فرض وجوده لم يلزم منه محال . ومعلوم أنّ الشيء متى لم يكن موجودا بعينه ، ثم كان وجوده غير مستحيل بنفسه ، كان ثباته وحصول ذاته معلقا ، لا محالة ، بسبب آخر سواه ؛ فكان ذلك الآخر
هامش
( 2 ) أي أن تكون استراحتنا إلى العقل وقوته أكثر من استراحتنا إلى كثرة الأوغاد والأراذل من الناس .
( 3 ) ص : واستغناؤك .