تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
فاذن قد دللنا على أن الأفلاك ذوات أنفس ناطقة حيّة عاقلة مبطلة لجحود من جحدها فيها ، فحجّتهم داحضة عند ربّهم ، وعليهم غضب ، ولهم عذاب شديد . واللّه الذي انزل الكتاب بالحقّ هو شمس القرآن الهادي إلى نور شمع (
b
76 ) الشرع ، والميزان ، هو علم المنطق الذي يعيّر به نقد البراهين من زيفها ، ويوزن به مثاقيل الأدلّة ، ليؤمن من ميلها وحيفها عند شمس صرّاف العقل ، الهادي إلى أصول الرأي وفروع النقل . فالسّماء رفعها ، ووضع الميزان . رفع سماء العقل ، ووضع عنده ميزانه ، واقعد ، في سوق التّصرف ، وقال له : الا تطغوا في الميزان ، وأقيموا الوزن بالقسط . فويل للمطفّفين الذين إذا اكتالوا على الناس ، يستوفون ، وإذا كالوهم أو وزنوهم ، يخسرون . وقد سبقت الإشارة إلى الآيات والأخبار الواردة في كون الأفلاك احياء ناطقة . وإذ قد أثبتنا عالم ( م 50 ر ) الروحانيّات على الاجمال ، ( 34 ر ) فلنثب إلى الموجودات الكائنة في عالم العقل . فنقول : كما أن الحركة الغير القارة تدل على نفس في المتحرّك ، فنفس المتحرك أيضا تدلّ على وجود آخر اشرف منها ، كما كانت النّفس اشرف من جسمها ، هو غير متغيّر ولا متحرّك ولا محرّك الا بطريق العشق والتشويق ، كما يحرّك المعشوق عاشقه ، بناء على التعشّق . (
a
77 ) والتّعشيق ، يسمّى على لسان الفلسفة عقلا مجردا ، وعلى لسان الشرع ملكا مقربا . واثباته بهذا الطريق وبطريق آخر سنفصلها لك ، ولكن في غاية الغموض ونهاية الدقة . فهو متوسّط بين الحق الأول الظّاهر بذاته عند العقل ، وبافعاله عند الحسّ ، فلهذا هو نور الأنوار المعقولة والمحسوسة ، وبين النّفس الباطنة بذاتها الظاهرة بافعالها ، وحركاتها ، فليس بذاته ظاهرا كالاوّل ، ولا بعقله بارزا كالثانى ، فهو بكليهما باطن كامن . فلهذا وقع اثباته في هوّة الخفاء ، ونفذ عن كوّة الجلاء . فلهذا قلّما يجرى ذكره في الكتاب العزيز الا رمزا وإشارة وتلويحا وكناية بحق قوله تعالى :
« فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً »
، اى العقول السابقة على جميع الموجودات الممكنة .
« فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً »
، اى النّفوس المدبرة للاجرام العالية . وقد أشار إلى سبقية العقول على ما سواه في قوله ، عليه السّلام : « أول ما خلق اللّه العقل » . فالبرهان المحرّر بهذا الطريق
الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 69 | عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري