الثّامن انّ المعقول اشرف منه ، لتعرف الاوّل من بارئه ، وبعد الثّاني عنه ، والأشرف اقدم من الأخس . ولهذا قال ، تعالى ، في جميع المواضع من كتابه :
« عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ »
.
فالغيب هو المعقول ، والشهادة هو المحسوس . وقد عرفت هذا البحث القبلي من قبل .
التّاسع ان المعقول من عالم اللّطافة ، والمحسوس من عالم الكثافة ، والاوّل قبل الثّاني . واعتبر برئيس العناصر الذي هو النار ، كيف سبقها وجودا ومكانا عليا لنورانيّته ولطافته ، وكذا السماء سبق الأرض كما عرفت لشفّافيته ، ولهذا يقدّم ذكر السّماء على ذكر الأرض ، تأسّيا بالوجود الكوني الطبيعي في جميع المواضع ، نحو قوله :
« خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
.
العاشر انّ المعقول محض النّور ، والمحسوس محض الظلمة ، وكيف يسوّغ رحمة الخالق وعناية الرّازق الذي يرزق من يشاء بغير حساب ولا كتاب ، تقديم الظلمة على النّور وايجادها سابقا عليه ، وفعل الأخس وترك الأشرف إلى أن يهوى ( 33 ر ) في حضيض التأخير . مع أن الظلمة (
b
74 ) من ممكن العدم ، والنّور من حيز الوجود ، وهو ينبوع النور والوجود ، والظلمة والعدم ، انّما دخل في ( م 48 پ ) فعله بالعرض والقصد الثّاني ، وما بالذّات اسبق ممّا بالعرض ، تعالى اللّه الّذي هو نور السّماوات والأرض عن مثل هذا . فالمعقول النوري قبل المحسوس الظلمى . واللّه ولىّ الذين آمنوا ، اى هو ولىّ المصدّقين بالحقائق ، بناء على البراهين الصوادق ، يخرجهم من الظلمات إلى النّور ، اى من ظلمات المحسوس إلى نور المعقول . وذكر الظلمة بالجمع والنّور بالواحد ، يدل على أن المحسوس من عالم الكثرة ، والمعقول من عالم الوحدة ، والواحد قبل الكثير ضرورة . بل المراد بالظّلمات الماهيّات ، وبالنّور الوجود :
فهذه العشرة الكاملة دلائل وقواطع وحجج سواطع على أن في مضمار كريم الخير قد سبق كرائم أفراس العقول لئام حمرا المحسوس ، وفي ميدان حريم الجود تقدم جياد خيولها عليها . فاقرأ
« وَالْعادِياتِ ضَبْحاً
، هم الصافنات (
a
75 ) الجياد . الموريات قدحا ، انقدحت من زناد مناسمها سقط النّفوس ، كما ينقدح الشرر من الهواء الحارّ بين الحجر والحديد .
فالمغيرات صبحا ، هم سلاطين العقول والنّفوس ، أغاروا عند انفلاق صبح الوجود من ليلة العدم الحبلى على مساكين المحسوسات السّاكنين في مضيق عرصة المكان . فأثرن به نقعا ،