تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
فبعد قدح النّفوس من مقادح المناسم ، اثاروا نقعا ، اى غبار وجودها في دوّ الكون ، إذ وجودها أشعث اغبر ظلمانى جسماني . فوسطن به جمعا ، اى همّ متوسّطات في مجمع عالم الفيض ومنبع الجود . هو الفاعل بها كما قال : « اوّل ما خلق اللّه العقل ، ثمّ ( م 49 ر ) قال له اقبل فاقبل ، وادبر فادبر ، ثمّ قال : وعزّتى وجلالي ما خلقت خلقا اعزّ على منك ، بك آخذ وبك اعطى وبك امنع » الا ترى إلى قوله ، تعالى ، إشارة إلى هذا السبق : « والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة » . فاوّلا عقل ، ثمّ عاقل ، ثمّ محسوس ، ثمّ حسّ ، ثمّ عقل ثمّ عاقل . فان إلى ربك المنتهى . (
b
57 ) . فثبت ان المحسوس دل على المعقول . واظهر المحسوسات عند الحسّ الاعراض ، وأوضحها الحركة . فلنستدل بحركات الأفلاك على العالم الروحاني . وإذ قد جاوزنا الباب الاوّل من هذا العالم ، ( 33 پ ) وعبرنا أول منزله ، وهو النفس البشرية ، وهذا هو الباب الثّاني ؛ فنقول : الحركة الدورية الفلكيّة التي قد علمت فيما سلف لك منّا ، دلت على نفس للفلك حية ناطقة عالمة نطقا عقليا ، كما هو للانسان . لان الحركة الدورية لا تكون طبيعية ، إذ دأب الطبيعة على ما شاهدنا القصد إلى المطلوب والهرب عن غير المطلوب . فان الحجر مثلا لو خلى وطبعه على ما يلائمه لا يتحرّك أصلا ، لان الحركة طلب المقصود . فمتى كان المقصود حاصلا ، يسكن عنده ؛ وإذا بعد عن مطلوبه قسرا ، يتحرّك اليه طبعا ، ان لم يكن له قاسر قاهر يعوقه عن مقصوده . كالحجر المرمىّ إلى جهة الفوق ، فان موضعه اللائق به لما كان هو (
a
76 ) المركز ، لا جرم قصده ، ويقف عنده . لكن الحركة الدورية منافية لما ذكرنا في الطّبيعة ، لان جسم المستدير الحركة كل نقطة يقصدها يفارقها ، فان كانت ، مطلوبة ، ( م 49 پ ) فلم هرب ، وان كانت غير مطلوبة ، فلم طلبه . ولا يتوجه هذا التحرير على الحركة المستقيمة ، لأنها سلوك من جهة إلى جهة مضادة لها . فكل نقطة بعينها غير مطلوبة مهروبة عنها ، بل النقطة المهروبة عنها مهروبة عنها ابدا ، والمطلوبة مطلوبة ابدا . بخلاف الدوريّة فان فيها الجهة واحدة لا ضد لها ، فليس اذن الا ان حركته إرادية ، والإرادة تدل على العلم ، وهو يدلّ على الحياة . وكلا الدلالتين ضرورية من غير وسيلة برهان .
الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 68 | عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري