إلى ربهم يومئذ المساق ، فلا يظلمون فتيلا .
وإذا كان هذا من اجلّ المطالب وأشرفها واشهرها واعرفها ، فلنكبّ عليها بجد وتشمير . أعنّا يا من العسر عليه يسير . وأقول : ان وجود المحسوس يدل على ( م 47 پ ) وجود المعقول ، إذ لو لم يكن في الوجود معقول سابق ، لم يكن محسوس لاحق أصلا ، ويدلّ عليه وجوه .
الاوّل ان الحقائق الخارجة ما لم يرتسم في الأذهان والعقول اوّلا ، لا يمكن تركيب الصّور عليها في الوجود الحسى . إذ من الجهل والبلادة والغفلة والغباوة لا يحصل وجود الأشياء ضرورة . بل هذا الجهل والغباوة ، انّما صدرا عن عالم عاقل فاعل لهما . إذ كل منهما لا يوجد بذاته ، ( 32 پ ) بل بغيره . وذلك الغير يستحيل ان يكون جاهلا وغافلا ، وإلا عاد الكلام اليه . ومن هذا يعلم أن الأشياء كلها صادرة من العقل والعلم ، فبان ان المعقول قبل المحسوس .
الثّاني ان الواجب من المعقولات ، والممكن من حيز (
b
73 ) المحسوسات ، والواجب قبل الممكن ، فالمعقول اذن قبل المحسوس .
الثّالث ان المعقول ابسط من المحسوس ، لان المحسوس أكثر تركّبا منه ، والبسيط قبل المركّب ، فالمعقول اذن قبل المحسوس .
الرّابع المعقول أشد تجرّدا من المحسوس ، لبراءة الاوّل عن محبس المكان والزّمان وفقر الثّاني إليها ، والمجرّد قبل المكتسى .
الخامس انّ المعقول من عالم الأرواح ، والمحسوس من عالم الأشباح ، وخلق اللّه الأرواح قبل الأجساد بألفي عام .
السّادس ان المعقول من سنخ الابداع والاختراع ، والمحسوس من محتد الصنع والخلق ، والابداع قبل الصنع .
السّابع ان المعقول غير موقوف على ما يتوقّف عليه المحسوس من الكون والأين والفصل ( م 48 ر ) والوصل وسائر المقولات العشر التي هي الأجناس العالية ، لبراءته عنها ، الا مقولة الجوهر على مساهلة . وكل ما يتوقّف عليه المعقول ، فالمحسوس بالتوقّف عليه أولى من الفاعل وآلاته وعلّاته ، فالمعقول (
a
74 ) اذن اسبق وجودا منه .