ان قربوا من مهواة التلف .
فكيف يكون هذا جزا للمسىء بإساءته . وللمحسن باحسانه ، على ما اخبر عنه ، تعالى ، بقوله :
« وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها »
، وقوله :
« هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ ( a 72 ) إِلَّا الْإِحْسانُ »
.
بل هذا الذي نراه من الأحوال الاستحقاقيّة جزاء للمسىء احسانا ، وللمحسن إساءة فثبت اذن ان الجزاء المتوقّع انّما يكون يوم الدين في دار أخرى ، غير هذه .
واى فعل أقبح من أن ملكا من ملوك الأرض ذات الطول والعرض صاحب العروش والعماد ، الذي لم يخلق مثله في البلاد ، ( 32 ر ) لو اتخذ بستانا على أحسن ما يكون ، مثل الجنّة الّتي وعد المتّقون ، تجرى من تحتها الأنهار ، وغرس فيها الأشجار والأزهار ، حتى اخذت الأرض زخرفها وازّينت ، وتنوّعت أنوارها ، وتلوّنت ، ثم اشترى عبيد أو إماء صفاء هواء وماء كانّهن الياقوت والمرجان ، لم يطمثهن انس قبلهم ولا جانّ ، مثل اللؤلؤ المكنون ، والبيض المدفون ، وسكّنهم « 1 » في تلك الجنان فراغ الجنان ، واحلّهم محلّ الكرام ، كريم ذاك المقام ، ويقول لكلّ واحد منهم : « اسكن أنت ( م 47 ر ) وزوجك الجنّة ، واسترح من تبعة الانس والجنّة « 2 » ، وكلا منها (
b
72 ) رغدا حيث شئتما ، فطفقوا يتمتّعون ، ويأكلون ، كما تأكل الانعام ويواقع بعضهم بعضا مواقعة الهوامّ العوامّ ، يشربون من الرحيق العقيق شرب البهيم الهيم ، فينهكون في اللذات والنعيم ، وفاكهة ممّا يتخيّرون ، ولحم طير ممّا يشتهون ، على سرر موضونه ، متّكئين عليها متقابلين ، يطوف عليهم ولدان مخلدون ، بأكواب وأباريق وكأس من معين ، ولهم فيها ما تشتهى الأنفس ، وتلذّ الأعين ، وهم فيها خالدون .
فبيناهم كذلك ، إذ اتاهم امر الملك ليلا أو نهارا ، فجعلهم حصيدا ، كان لم تغن بالأمس ، فأصبح هشيما تذروه الرياح ، وأصبحت كالصريم ، أو كاللّيل البهيم .
وإذا كان مثل هذا الفعل قبيحا من الملوك المجازيين ، فكيف يظنّ مثل هذا الظنّ الأثيم بملك الملوك الذي فعله منزه عن السمج والبشاعة والفحش والشناعة ، تعالى عما يقول الملحدين علوا كبيرا . بل كان اللّه على كل شئ قديرا . أم تحسب ان أكثرهم يسمعون أو يعقلون ، ان هم الا كالانعام (
a
73 ) ، بل هم أضل سبيلا . وإذا كشف عن ساق ، وان
هامش
( 1 ) - ر : أسكنهم .
( 2 ) - س : الجن .