الفسيح والفلك الدوار المسيح الا لامر خطير أعظم من هذا المحسوس (
a
71 ) الحقير النقير . فان الشئ المقصود بالذّات أعظم واطلب من الشّىء المقصود بالعرض الّذي لا طائل تحته في الطول والعرض . ولو لم يكن هذا هكذا ، لكان خلق السّماوات والأرض وما بينهما عبثا قبيحا خشنا شقيحا .
وقد نبّه اللّه ، تعالى ، على هذه الدقيقة الجليلة بقوله :
« أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ،
( 31 پ )
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ »
. ثمّ ردّ هذا المقال الحسبانى وزيّف نقد ذا الخيال الشيطانىّ ، واجلّ جناب حضرته عن مثل هذا الفعل الشائن ، ونزّه نفسه عن التقوّل بهذا القول المائن ، بقوله ، تعالى :
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ
، اى هو يتعالى عن هذا .
فثبت ان غاية الخلق والوجود هو ايصال كلّ واحد إلى كماله « 1 » ، وارواء كل وارد من مشرب جماله . فالوصول اليه اذن لا يخلو اما ان كان في هذا العالم الفاني الخسيس ، أو في العالم الباقي النفيس . لا جائز ان يكون في هذا العالم ، لأنا نرى الحقوق غير واصلة فيه إلى مستحقيها ، لا بل نريها واصلة إلى غير مستحقيها .
بيانه انا نرى أكثر أرباب الدنيا الدنيّة من أصحاب الثراء وأبناء السراء الذين هم آثروا زخارفها وحطامها ، وحشدوا نباتها وانعامها من النساء والبنين (
b
71 ) والقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسوّمة والانعام والحرث ، فارهين فاكهين في النعم الزاخرة ، رافلين غافلين في الملابس الفاخرة ، وهم جهّال ضلّال غير دارين بما صدر عنهم من الافعال والأقوال ، فضلا عن بارئهم وخالقهم ومصوّرهم ورازقهم ، ذي الاكرام « 2 » والجلال والنور والجمال ، وعما صدر عنه من آثار رحمته وأنوار فضله وكرامته .
ونرى أفاضل الناس من الأذكياء والأكياس ، ذوى الدوران والقياس ، مثل على وابن عباس ، أولى النجدة والباس ، دورانهم دائرة سوء الياس ، و ( م 46 پ ) جولانهم مجلبة دمدمة الكاس ، أكياسهم فارغة كفؤاد أمّ موسى ، وأطفالهم ذو سغب وبؤسى ، بطون جرابهم ممتلية كجراب أبي هريرة ، ولكن من التمنّى ، وتجاويف أدمغتهم مشحونة كدماغ نمرود ، اما بالتعنّى ارهقهم القشف ، واحجف بهم الدنف ، ولا يدرون مالون الترف ، إلى
هامش
( 1 ) - م ر : حاله .
( 2 ) - س : بالاكرام .