صنعه وفعله الدالّ على صانعها وفاعلها ، مع غاية بعدها عنه . فبان ينظر بعين قلبه إلى سرّ نفسه الّذي هو هو مع قربه منه ، كان احرى . فوجب بمقتضى هذه الأحاديث ان يكون هو اعرف الخلق بنفسه ، حتى يكون اعرف بربه . وكيف لا وهو ، عليه السّلام ، كان يخبر عن أحوال الأرواح العاليّة والسافلة وعن مآل لنفوس العاقلة والغافلة ، ويعلم ( 31 ر ) عن ( م 45 پ ) الوقائع الجارية على ضمائر الخلائق ، ويأمرهم بتهذيب السجايا والخلائق . فمن لم يعرف نفس نفسه كيف يعرف نفس غيره ، فضلا (
a
70 ) عن الاخبار عن أحوالها وعن مبدأها ومآلها . فهل بهذا المقال النابع من عين الخيال الا من الهجن الذي لم يقله هجان ، ولا يسوغ التفوه به انس ولا جان ، إذ لم يقد اليه دليل ولا برهان ، ولا تصديق باثباته عقول ولا أذهان .
فعليك يا اخى بعد ان عرفت ذات النفس وماهيّة الروح ، ان تتشمّر لدرك صفاتها وآثارها ، وستعرفها في الفنّ الثّاني من هذا الكتاب ، واللّه الموفق للصّواب .
الباب الثاني في النفوس العالية
اثبات العالم الرّوحانى من اعزّ المطالب وأعظمها واسمقها وأوفقها ، من جهة انّه عالم المعاد ، لانّه مسقط الميلاد ، واليه رجعي الظاهرات من نفوسنا والزاكيات من عقولنا ، كما أشارت اليه عبارة القرآن بقوله :
« إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ »
. فالكلم جمع الكلمة ، وهي الروح الناطقة ، كما (
b
70 ) قال في حقّ عيسى روح اللّه ، وكلمته ، وفي قوله :
« ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ »
.
فالكلمة في المصحف بمعنى الجوهر النّاطق من الانسان : فان الطيّبات للطيّبين والطيّبون للطيّبات . والأنفس الخبيثة المغموسة في بحر الطّبيعة المنحوسة ، مطموسة أعينها منكوسة ارؤسها حيث غمست ، محبوسة أرواحها ، مكبوسة أشباحها أينما قمست ، فان الخبيثات للخبيثين ( م 46 ر ) والخبيثون للخبيثات . لان الغاية في فعل الوجود إفاضة الخير والجود ، وان لم يكن لفاعله غاية ، بل هو غاية الغايات ونهاية النهايات ، اليه ينتهى كل موجود ، وبه ينقضى كل حاجة ومقصود . بل الغاية انّما هي لما سواه من ذوى الفقر والحاجة والمسكنة والفاقة ، هو ايصال كل وجود إلى الكمال اللائق به ، إذ لم يخلق هذا الجسماني